قضايا المجتمع

النزوح: اندماج لا بدّ منه ومشكلات لا تنتهي

تقضي سلمى جلّ وقتها في تعبئة محلّها الصغير، الكائن في حي من أحياء مدينة القامشلي، وهي متوجّسة من العناصر الأمنية الكردية، أو ما يُعرف بـ “الآساييش”، أو الهيئات التابعة لما يسمى “الإدارة الذاتية”، وعلى الأخصّ هيئة التموين، التي لا تدع فرصة لمخالفة الناس بذرائع واهية، إلا وتستغلها.
نزحت سلمى (30 عامًا) من مدينة إدلب، عقب اضطراب الأوضاع؛ لتستقرّ في مدينة القامشلي، وحول إقامتها الجديدة، قالت لـ (جيرون): “الناس هنا طيبون، والأوضاع السيئة مشتركة بالنسبة للجميع، تركت ريف إدلب بعد سوء الأوضاع فيها، وتوجّهت إلى مدينة القامشلي بناء على أحاديث من صديقة لي أيام الجامعة عن استقرار الأوضاع فيها نسبيًا، إلّا أنني فوجئت بكمّ القرارات الهائلة الصادرة عن السلطة المتنفّذة هنا، التعليم، التموين، الأمن، كل شيء مختلف”، وتابعت وهي تنظّف الخضار التي تشتريها من سوق الهال الكائن في عمق المدينة؛ لتبيعها بسعر مختلف قليلًا، فتحصل على قُوتها: “كلّ شيء أسعاره مرتفعة هنا، والحصار يفرض نفسه بقوة، ولا رادّ لذلك، علاوة على القرارات اللا منطقية التي تصدر عن السلطات، فثمّة نسيان لهموم المواطنين أمثالنا، الذين نزحوا من مدنهم وقراهم وتدمّرت بيوتهم”.
رحلة مُرهقة
وأوضحت سلمى، قائلة: “تبدو الأوضاع هادئة نسبيًا في المنطقة، ولكن كثافة الهجرة واضحة، والعديد ممن يفرّون، تكون أسبابهم الرئيسة متعلقة بالأوضاع المعيشيّة والاقتصادية، إضافةً إلى القرارات الصادرة عن هيئات (الإدارة الذاتيّة) التي تبدو خارجة عن إطار المنطق أغلب الأحيان؛ الأمر الذي يدفع المواطنين إلى الهرب؛ لإيجاد فرص معيشية أفضل، سواء في أوروبا أم في إحدى دول الجوار”.
وفي هذا السياق، قال سعيد الديري، أحد العاملين في مطعم “أبو دليل”، المعروف في مدينة القامشلي: “قدِمت إلى المدينة من دير الزور، منذ أكثر من عامين، وأعمل حاليًا كطبّاخ، ولدى قدومي صُعقت بمشكلة إيجاد الكفيل!، كيف يمكن لي أن أكون داخل وطني، وأحتاج إلى كفيل، يضمن لي حقّ العيش في مدينة القامشلي التي هي جزء من سورية؟! وعندما اعترضت كان ردّ الأمن الكرديّ هنا (القوانين لدينا تفرض هذا الأمر)”، وتابع: “كانت رحلة العثور على كفيل صعبة، لكن انتهت دون أي مشكلات تُذكر، واستأجرت بيتًا لي ولعائلتي، ونرزح الآن تحت الأوضاع الصعبة ذاتها التي يلقاها المواطنون في المدينة”.
وعن هذه القوانين غير النطقية، التي تفرضها القوة الكردية المسيطرة على المنطقة، قال الباحث الاجتماعي نصر حميد: “في الحقيقة، باتت مسألة النزوح الداخلي تُرهق في الآونة الأخيرة؛ لأسباب متعدّدة، لعلّ السبب الأبرز هو الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعيشها المنطقة بشكل عام، وصعوبة العثور على عمل في الأحوال الراهنة، حيث بيّنت الدراسات الأخيرة ارتفاعًا حادًا في نسب البطالة، والتسرّب الدراسي، وفقدان العمل؛ بسبب الحصار المفروض، الأمر الذي تسبب بتشكيل هوّة اجتماعية، يصعب التخلّص منها بسهولة”، وعن عملية تقبّل النازحين لوضعهم الجديد، قال: “لا أعتقد أن هناك صعوبة في الموضوع، لأن العادات في سورية عمومًا هي ذاتها في كل منطقة، ولكن يبقى موضوع السلطات الموجودة، وطريقة تعاملها، وقوانينها المفروضة، ومساعدة المنظمات المدنية ومدى استعدادها لتقديم العون للنازحين”.
الجدوى الاقتصادية
يذهب عدد من المتابعين إلى أن النزوح، وعلى الرغم من مآسيه، إلا أن له جانبًا مفيدًا للمجتمع، منها ازدهار صناعات تشتهر بها المناطق التي يتمّ النزوح منها، وتطويرها في المنطقة الجديدة، وحول هذه النقطة، قال مهند، صانع الحلويات الحمصيّ: “اضطررت لمغادرة حمص عُقب اندلاع الاشتباكات، وتدمير النظام لأجزاء من المدينة، ولكسب القوت اليوميّ، قمت باستئجار محلّ صغير في أحد الأحياء بمدينة القامشلي ورويدًا رويدًا ازدهر العمل من خلال التشارك مع بعض المحالّ المختصّة بهذا النوع من الصناعات الغذائيَّة، وشرعتُ أروّج لأنواع من الحلويات، لم تكُ موجودة في المدينة، وبدأت أصنع لي اسمًا في هذا المجال، وبات نوع الحلوى التي أُنتجها رائجًا؛ ليتحوّل المحلّ الصغير إلى محلّ ذي سمعة جيّدة، وزبائن يتوافدون للشراء من أنحاء المدينة كافة”.
لكن على الطرف الآخر، هناك من النازحين مَن يعيش حياة صعبة جدًا؛ بسبب خسارتهم لكل الأملاك في مدنهم؛ نتيجة تعرّضها للقصف من طيران النظام “السوري”، وانتقالهم للعيش في مناطق أخرى من سورية، وهذا الجانب هو الأخطر في هذه المسألة، وتستوجب اهتمامًا من السلطات القائمة في المدينة؛ لتوفير سبل العيش لهم ومساندتهم وتوفير الأمان لهم.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق