قضايا المجتمع

جودت سعيد مُكرّمًا… دروس للسوريين

14643074_10155169173249918_452189551_n

 

مبادرة مهمة وتستحق التوقف عندها، تلك التي قام بها مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، بتكريمه المفكر الإسلامي العلامة الشيخ جودت سعيد، فهي فضلًا عن أنها تقدير لشخصية سورية معاصرة بارزة تستحق التكريم، حملت في طياتها دلالتين، لا بد من الانتباه إليهما والتركيز عليهما.

أولى هذه الدلالات، أن هذه المبادرة كرّمت شخصية سورية مُعاصرة، موجودة بيننا، مازالت في أوج عطائها وحكمتها ونشاطها، وما زالت قادرة على أن تُعطي أكثر فأكثر، في وقت اعتاد فيه السوريون، خلال أربعة عقود على تكريم الراحلين فحسب، وهي عادة رسّخها نظام شمولي لا يرى إلا نفسه، ويخشى من كل الشخصيات المهمة المؤثرة الحيّة، ويحاول تهميشها حتى لا تطغى على صورته، تلك الصورة التي أُرغم السوريون على تعليقها على كل جدار، وكل مؤسسة وكل فرع أمني، خاصة وأن سورية ولّادة، فيها عدد لا يُحصى من المُبدعين والمفكرين البارعين الاستثنائيين، ممن لديهم القدرة -بسهولة- على إزاحة صورة الطاغية عن المشهد.

كرّمت (حرمون) واحدًا من هؤلاء، الشيخ الإسلامي المتنور جودت سعيد، داعية اللا عنف الأبرز، صاحب الرؤية الواضحة والفكرة العميقة والطرح الجريء، المؤمن بعقل الإنسان، والمسكون بسؤال الوجود والحقيقة، البسيط إلى حد “اتّهامه” بأنه “غاندي الشرق”، وكذلك الداعي لتجديد قراءة القرآن وإعادة اكتشافه، والرافض للإكراه بالدين، والإكراه عنده “من الصفع إلى القنبلة النووية”، والذي يرى أن “الجهاد” لم يكن لإكراه الناس على الإسلام، بل لرفع الإكراه عنهم حتى يعتنقوا ما شاؤوا بحرية.

جودت سعيد الذي غادر قسرًا بيته في بئر عجم في الجولان السوري، قبل أن ينتقم منه النظام لوقوفه إلى جانب الثورة، والذي شدد على أنه من المفروض أن يحتكم الحاكم للانتخابات، وأن يرجع إلى بيته إذا فشل، وأن المستضعفين في الأرض هم الذين يعرفون معنى العدل وليس المستكبرين، وأنه سيتم التسليم بمبدأ الديمقراطية، كما سلمت البشرية بحقيقة أن الأرض تدور حول الشمس.

والذي دعا المتظاهرين السوريين في بدايات الثورة إلى التمسك بسلمية الحراك، وأكد عدالة مطالبهم، وقال: “إذا نجحت الثورة السورية بالسلاح فسنظل محكومين بالسلاح الذي نُحكم به منذ 1400 سنة”، و”كل من أخذ بالسيف، بالسيف يهلك”، والذي شدد على أن “الديمقراطية لا تحل في بلد، إلا إذا أجمع الفرقاء فيه على الاحتكام لا إلى القوة بل إلى الصندوق”.

الدلالة الثانية التي يجب التفكير فيها، والتي يمكن عدّها رسالة أو درسًا لبعض المعارضين السوريين، فالشيخ الجليل قَبِلَ التكريم، التكريم الرمزي الحضاري، من مركز سوري مستقل، يُشرف عليه ويعمل فيه سوريون، شبابًا وشيبًا، أعلنوا أن بوصلتهم مطالب الثورة، وحرية السوريين، وأصروا على ضرورة انفكاك المعارضة عن التبعية، لأي بلد كان، وهذاربما ما أقنع الشيخ بقبول التكريم، من سوريين مستقلين إلى سوريين مستقلين، يحملون الهم والرؤية والآمال نفسها، ويسعون إليها بكل الوسائل الحضارية والفكريةلأنه  والإنسانية، في وقت كان الشيخ الجليل يرفض فيه تكريميات أضخم، تحمل مكافآت مالية كبيرة، لكنها لا تتناسب ورؤيته، ولا يعتبرها مفيدة للغرض الذي يسعى إليه.

في نيسان/ أبريل 2015 كشفت وسائل إعلام وباحثون أن المفكر جودت سعيد رفض تكريماً قدّمته له جائزة الحسن بن علي للسلم، ورفض آخرًا من مصر، وتكريمات إضافية من دول أخرى قد لا يرغب الشيخ بذكرها من باب تواضعه وحرصه على كرامات الناس واحترام المؤسسات، لكنه هنا قبلها سعيدًا، على بساطتها وعفويتها، لأنه أدرك أنه جزء من هؤلاء، وأن تكريمه من أناس يشبههم ويشبهونه هو التكريم الحق، والتكريم الأهم والأسمى.

في نفس الوقت تتسابق (بعض) الشخصيات من المعارضة السورية (وليس كلها للأمانة)، خاصة من تلك التي لا تمتلك جزءًا بسيطًا من تاريخ وأهمية مُفكّرنا، لتحصل على جوائز عربية وغربية، من أي كان، دون التدقيق بهدف الجائزة ولا تبعيتها ولا فائدتها، يتسابقون لـ “البروظة” وإثبات الذات، عبر تكريمات خُلّبية، لا تُسمن ولا تُغني عن جوع. وبالطبع لا يعني هذا عدم تشجيع نيل الجوائز والتكريم من الآخرين، إذ لا تخلو الساحة من الكثير من الجهات العربية والأجنبية، التي يتشرف السوريون بها وبمبادراتها، وعلى الجميع الاهتمام بها كما هو الحال مع هذا التكريم.

مبروك لـ (حرمون) قبول (الدكتور) المفكر الداعية الشيخ جودت سعيد التكريم منها، ومبروك للشيخ الجليل اهتمام أهل بلده به، وأطال الله عمره، ليستمر بالعطاء، على أمل أن تنتصر الثورة، ويعود النشاط الإنساني في سورية إلى مساره الطبيعي، المسار الذي طالما تمنّى جودت سعيد أن يتحقق، مسار يحترم الأديان والتنوّع والحوار والسلام والإنسانية.

ويشار أخيرًا إلى أن جودت سعيد (85 سنة)، تخرّج من الأزهر عام 1956، وكان أول كتاب له هو “مذهب ابن آدم الأول” أو “مشكلة العنف في الإسلام”، وهو أهم داعية لا عنف في العالم العربي، ودعا للتمسك بالعقل والابتعاد عن التفسير الجامد للنصوص المكتوبة، وشارك في الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وخطب بالناس في مدينة جاسم في درعا وفي دوما في ريف دمشق، وقنصت ميليشيات النظام أخيه، وتهدم منزله بالكامل في قريته (بئر عجم)، التابعة للجولان المحتل، والتي وُلد فيها، وخرج مع عائلته من سورية؛ ليتخذ من إسطنبول ملجأ موقتًا، علّه يستطيع  العودة -في المستقبل القريب- إلى بلده الذي يُحب.

وأول أمس، قام مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، بتكريمه خلال إطلاق صالون (الكواكبي) للحوار حول قضايا الدين والدولة والسياسة، وقال مدير المركز، حازم نهار: إن المركز “يريد أن يجعل من تكريم الناس في حياتهم تقليدًا، تأكيدًا على أهمية ما قدموه لخير الناس”، وأضاف: “عندما يتم تكريم هؤلاء الناس، فهو في الحقيقة تكريم لأنفسنا، ولنا الشرف في تكريم شخصيات كجودت سعيد”.

وقدم المركز لسعيد درعًا وشهادة تكريم، كُتب فيها “نظرًا للدور المتميز الذي قام به الأستاذ الجليل جودت سعيد، يسرنا أن نمنحه هذه الشهادة التكريمية، تقديرًا منا لإسهامه الكبير في إغناء الفكر الإنساني، وتعبيرًا عن تقديرنا لجهده الإيجابي في توطين ونشر القيم الإنسانية النبيلة وروح التسامح والسلام، من خلال مؤلفاته الغنية التي تُشكّل منارة للأجيال المقبلة، وإيمانًا منا بدور أهل الفكر والعلم في بناء الأوطان، مع تمنياتنا في استمرار عطائه”.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق