كلمة جيرون

ليس العتب على دي مستورا

من جديد، وربما للمرة العشرين، يطلّ علينا ستيفان دي مستورا، الرجل الأممي، بحلّته البهية، ومنطقه الأعوج، ليقترح مبادرة جديدة، قال بإن فيها الخلاص، ووقف سلاسل الموت والدمار في سورية، خلاصتها أن يخرج مقاتلو (النصرة) من حلب كشرط لوقف إبادتها، ولم يكتف بعرضها، بل “تمرجل” وقال: إنه سيرافقهم بنفسه كضمان لحُسنِ مغادرتهم.

رمى الرجل الحجر في البئر، وألقى على السوريين مسؤولية إيجاد مئة عاقل لإخراجه، فهو كعادته، اقترح مبادرة هي الرابعة منذ استلامه لمنصبه، وكسابقاتها مُتسرّعة ومتهورة، غير جدّية ولا ناضجة، لا تحمل شروط نجاحها، ولا تُقدّم أي ضمانات، وليست قادرة على إقناع أحد بأنها حل، أو جزء من حل.

لسنا بوارد تقيم مبادرة الرجل، فهذا شأن المعارضة السورية السياسية والعسكرية، لكن من حقنا التحدّث عن إنجازات هذا السويدي – الإيطالي الأنيق، نصير “الجندرة”، والمحب للاجتماعات خلف الأبواب المُغلقة، والعاشق لتسجيل التقارير بدقة، وتدوين آراء كل الأطراف، ثم رميها جميعها بالمهملات.

قبل نحو سنتين، رمى المجتمع الدولي هذا الرجل بوجه السوريين، خَلفًا للأخضر الإبراهيمي، واعتقدوا أنه سيواصل ما بدأه سلفه المرموق، ولم يُدركوا -حينئذ- أن المجتمع الدولي قد عاقبهم برجل، قال عنه أبناء بلده -الإيطاليين- إنه فاشل في كل الملفات التي استلمها طوال حياته المهنية.

في مرحلة سابقة، قام المبعوث الأممي بـ “اختراع” مبادرة حملت اسم (تجميد القتال) في حلب، غير معروف مثلها في قاموس الأمم المتحدة، فهي ليست “هدنة” ولا “صلحًا” ولا “مصالحة”، ولم تُحدد ما هي الأطراف التي يجب أن توقعها، ولا دور القوى الدولية والإقليمية والمحلية فيها، ولا من سيراقبها وآليات هذه المراقبة، وما الضامن القانوني والعسكري لنجاحها واستمرارها، وشكّلت -بحد ذاتها- خرقًا ومخالفة للقرارات الأممية، والأهم أنه بحثها قبل إطلاقها مع النظام ولم يبحثها نهائيًا مع المعارضة، التي لم تعرف بها إلا عبر وسائل الإعلام.

قبل ذلك، قدّم مبادرة “وضيعة” لا معقولة، رفضها فورًا كل وطني سوري، دعا فيها لفتح الحدود التركية قرب (عين العرب) للسماح بدخول المقاتلين، كائنًا من كانوا، لمؤازرة مقاتلين أكراد سوريين، لم يحدد فيها من هم المعنيين ولا طبيعتهم ولا ضوابطهم ومسؤولياتهم، ومن يجب أن يتحكم بتدفقهم، أي بالخلاصة هي مبادرة لفتح الحدود السورية أمام الفوضى.

بين هذه وتلك، ناقش مبادرة لتعيين ثلاثة أو خمسة نواب للرئيس، ورأى أن فيها حلًا جذريًا للأزمة السورية المستعصية، مُفترضًا أن الشعب السوري قدّم نصف مليون ضحية، قربانًا للحصول على وظيفة نائب رئيس، متجاهلًا سبب الثورة والحرب والتشرد واللجوء والدمار، ومُصرًّا على أن “مقام” الرئاسة أبدي، وليس بوارد النقاش، مستهترًا بالسوريين وبكل القيم الإنسانية.

وأيضًا بين هذه وتلك، “أتحف” الرجل السوريين بمبادرة تدعو إلى تشكيل مجموعات عمل مشتركة بين النظام والمعارضة للاتفاق على أربع قضايا أساسية هي الشؤون الإنسانية والسياسية والجيش والأمن ومؤسسات الدولة والإعمار، قبل تشكيل هيئة الحكم الانتقالية، أي أنه قلب مبدأ جنيف رأسًا على عقب، ووضع العربة أمام الحصان، دون أن يستشير أحد، و”قزّم” الحل ليصبح مجرد ورشات عمل حوارية تجريبية بين المعارضة والنظام.

ليس هذا كل شيء، فالرجل ماهر بالكذب أيضًا، إذ كذب حين قال يومًا: إن “أغلب المعارضين السوريين لا يريدون جنيف 3″، كما كذب حين قال: إن تسعة آلاف مقاتل من النصرة موجودون في حلب، بدليل أنه عاد قبل أيام وقال: إنه أخطأ وأنهم لا يتجاوزون التسعمئة، أي أن نسبة خطئه تبلغ ألف بالمئة، وكذلك كذب حين قال: إنه خلال مئة يوم ستشهد سورية حُكمًا ذي مصداقية، وشامل وغير طائفي (مر على كلامه هذا أربعمئة يوم)، وغيرها كثير.

لم يطالب دي مستورا مرة واحدة بخروج المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب النظام السوري، ولم ينتقد النظام السوري؛ لاستخدامه البراميل والطيران الحربي لقصف المدنيين، ولم يسع لوضع دور للقوى الدولية والأممية بأي مبادرة، ولم يستفد من القانون الدولي في أي من مبادراته، والتقى بممثلي النظام أضعاف ما التقى بالمعارضين، وأصرّ الرجل الذي وصلت خلافاته مع زوجته إلى القضاء، على أن مشكلة السوريين هي “الجندرة” في الحكم والمجتمع، ثم فصّل المعارضة على هواه، ووزع صكوك غفران للمرضي عنهم، وقرر من هو المعارض وغير المعارض، وساهم بشدّة في زيادة حدة الخلافات بين المعارضات السورية، ووفر غطاءً لقوى كردية لتبدأ رحلة الانفصال. صحيح أنه يقوم بتنفيذ قرارات الدول الكبرى كحمل وديع، لكنّه يقوم بتنفيذ هذه الأوامر بأسوأ وأحطّ شكل ممكن.

ليس العتب على الرجل، الذي يحرص على أن يظهر كفرسان العصور الوسطى، كلما عرّج على قصر الرئاسة في دمشق، بل على المعارضة السورية، بكل أطيافها، المتشددة منها والرخوة، اليمينية واليسارية، الإسلامية والمًلحدة، لأنها لم ترفض، منذ سنة على الأقل، وجود هذا الرجل، ولم تطلب ولا مرّة واحدة رجلًا قديرًا؛ لإدارة ملف من أعقد ملفات العصر الحديث، لا “مًخرّبًا” يتعامل مع سورية كساحة للتجارب وتعويض النقص.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق