مقالات الرأي

جناح “حزب الله” السينمائي

لم أشاهد فيلمَ “أمور شخصية”، للمخرجة الفلسطينية مها حاج، قرأت عنه كثيرًا بعد عرضه الافتتاحي في مهرجان “كان” السينمائي، وقد وصفه نقّاد كثر بـ “علامة فارقة في الأفلام الروائية العالمية؛ من حيث النص والإخراج”، وأكثر ما لفت النقّاد هو اقتحامه الواقع الفلسطيني الحالي، بعيدًا من الخطاب السياسي المباشر والمؤدلج. كما أنني لم أشاهد فيلم “ليالي شارع زايندة”، للمخرج الإيراني المعارض محسن مخملباف، إلا أنني شاهدت “كأس العالم”، الفيلم الروائي الأول للصديقين: محمد وأحمد (الأخوان ملص)، وقد أرسلاه لي قبل مدّة بشكل خاص، وكانت متعة المشاهدة أكبر بكثير وأوسع من شاشة الكومبيوتر الضيّقة.

لم أشاهد -إذن- تلك الأفلام في صالات السينما حتى الآن، كما هو حال كثيرين. وكان من المفترض لهذه الـ “حتى الآن”، أن تختفي اليوم من هذا المقال. فأنا انتظرت، كحال كثيرين أيضًا، “مهرجان بيروت الدولي السينمائي”؛ لأشاهد تلك الأفلام الثلاثة، وغيرها من المنتجات السينمائية. مهرجان ينطلق من “عاصمة الفن والثقافة” التي لا تبعد عن العاصمة السورية سوى مئة كيلومتر، إلا أن سنوات ضوئية كانت تفصل العاصمتين، واحدتهما عن الأخرى، في ما يتعلق بحرية التعبير واحترام الرأي الآخر والتعددية السياسية. بيروت كانت دائمًا؛ حتى خلال “الاحتلال” العسكري السوري لها، نافذة السوريين على عوالم حرمهم النظام منها في بلدهم، كانت نافذتنا على السينما والمسرح والأدب والموسيقا والتحرّر، ولو لساعات فحسب، من ثقل الخوف والهلع السوري.

شاءت الأقدار ألا نشاهد الأفلام تلك، والأقدار في لبنان لا تعني قوى خفية أو ظواهر طبيعية، لا حول لنا أمامها ولا قوة؛ حتى أنها لا تعني “الأيادي الخفية”؛ الأقدار هي مشيئة “حزب الله”، ومن يقف في صفّه وإلى جانبه وتحت جناحيه، الآخذين في التمدّد والتسلّل إلى عمارات الساكنين هنا وبيوتهم، وعلى جدران البيوت المجاورة لهم وفوق الأشجار، وعبر الأغاني الخارجة من سيارات مفتوحة الشبابيك؛ ليجزّ الصوت في آذاننا.

منع الأمن العام اللبناني تلك الأفلام؛ لأنها لا تتوافق مع سياسة الحزب، ولا مع المزاج العام لجمهوره. جمهوره الذي لن يحضر ربما تلك الأفلام؛ لأنه لا يُحبّذ الذهاب إلى السينما ليحضر مهرجاناً لأفلام دولية، لا يُروِّج لها عبر أقنيته الفضائية وصحفه، لكن الأمن العام أراد منعنا كلّنا من حضور تلك الأفلام “المسيئة” للمزاج العام؛ فالأمن العام -بدوره- موظّف عند الحزب، ورقيب على ما يُعكّر صفوه؛ فتصبح الضفاف الأخرى من إيران وسورية وفلسطين، محرومة من مهرجان “دولي”؛ لأن الحزب يُحدّد -أيضًا- مفهوم مفردة “الدولي”؛ فسورية الدولة هي “سورية الأسد” فحسب، وإيران الدولة هي “ولاية الفقيه” فحسب، وفلسطين هي “فلسطينه المحتلة” التي لم تتحرّر بعد، على الرغم من كل الوعود والتهديدات، فلسطين ليست الفلسطينيين في الداخل، ولا حيواتهم وطرق عيشهم ومقاومتهم الفعلية، فلسطين هي “القضية” و”المقاومة” وغيرها من المفردات المعلّبة، هل ثمة أوضح من هذه السياسة الإقصائية للشعوب! سياسة تدعم دولًا وهمية قائمة على أشخاص، مفرّغة من أهلها ومن الحياة.

هل كان على الأخوين ملص أن يضعا في أحد المشاهد تلفازين، وأحدهما فوق الآخر! والتلفاز الذي يعلو الأول، وضعاه بالمقلوب أيضًا! لم يُفكّرا بمئات المشاهدين في بيروت! لم يحرصا على السماح لنا بمشاهدة فيلمهما الطويل الأول في مهرجان “دولي”، وأيضًا، كان على مها الحاج أن تُمرّر في فيلمها بضعة مشاهد مباشرة عن “المقاومة” بمفهومها الشعبي المُحاكي للمزاج العام في لبنان، وكان من الأجدر بالمخرج الإيراني محسن مخملباف ألا يكون معارضًا؛ ليستطيع عرض فيلمه في “عاصمة الحرية”، أو أنها دعوى للمخرجين العرب لإنتاج نسختين من أفلامهم، واحدة للعالم، وأخرى لمن يعيش في بلاد الخوف والرعب و”المقاومة”.

نقطة أخرى غابت عن ذهن الصحافة؛ فلجنة التحكيم في “مهرجان بيروت الدولي السينمائي”، تضمّ أسماءً ثقافية تعمل في أجهزة الحزب الموالية لإيران والنظام السوري، ولا نعرف كيف لأشخاص يعملون في صحف أو محطّات تلفزة، أقرب إلى أجهزة أمنية، أن يُقيّموا أفلامًا جربئة لمخرجين ثاروا على مخاوفهم، وتمرّدوا على أنظمتهم؛ في محاولة لإحداث تغيير ما، في بلاد الخوف والرعب و”المقاومة” في زمن الـ “لا للتغيير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق