سورية الآن

سريالية سورية

لا يكاد العالم يلتقط أنفاسه من مفاجآت تطور الأوضاع في سورية، حتى يعود مرعوبًا من هول ما يحدث، وما قد يقود إليه. فجأة، وكأننا أمام حرب عالمية جديدة، وما هي إلا ساعات حتى يعود الحديث عن تفاهمات تخرج من الأدراج. هذا جانب من المشهد وسط التهديدات الروسية الأميركية التي أخذت تتصاعد خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، والتي تعني في أبسط التوقعات زلزالًا استراتيجيًا سوف يعصف بالمنطقة كلها إذا ما حدثت مواجهة بين القوتين فوق الأراضي السورية.

 

التهديدات التي توالت خلال الساعات الأخيرة، تقف على أشلاء مدينة حلب التي تحولت إلى مدينة أشباح، لا يتحمل النظام السوري والقوات الجوية الروسية وحدهما المسؤولية عنها، بل يتحملها العالم أيضًا الذي وقف مكتوف الأيدي في وجه هذا الصراع المرير، كما هي الحال في القوى التي ما تزال تدعم المتصارعين بالمال والسلاح والعتاد، فيما تنشغل بحسابات أعداد القتلى والجرحى والمهاجرين والنازحين.

 

المشهد السوري السريالي يقدم اليوم صورة حقيقية عن ضمير العالم المسخ الذي وصل إلى هذا الحد من المساومة على مصير هذا الشعب وهو يذبح، فيما تُدمّر إنجازاته ومقدراته. وعلى الرغم من أن معركة مدينة حلب حسمت عسكريًا لصالح الجيش السوري منذ أيام، إلا أن قوى إقليمية تلعب بقمار السياسة على الدم السوري تصر على استمرار القتال، وهو الأمر الذي يثبته العرض الذي قدمه المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، يوم الخميس الماضي، ودعا فيه مقاتلي جبهة النصرة إلى الخروج بسلاحهم من حلب، وأنه شخصيًا على استعداد لمرافقتهم.

 

بعد الحرب العالمية الأولى، انتشرت الحركة السريالية في الفنون، وصولًا للسياسة والمجتمع، كرد فعل على أهوال الحرب وما شهدته من قتل ودمار ومن تشوه نال أجيالًا من البشر. تلك الحركة تعنى بكل ما هو غريب وغير واقعي، ما دفع عمليًا إلى سريالية سياسية أنتجت أنظمة قادت إلى حرب عالمية أكثر قسوة وفظاعة. وما يحدث اليوم في سورية فوق الواقع والمتخيل، وهو ما يؤهل العالم لدخول وحل حروب غير متوقعة.

 

على الرغم من كل ما يتردد عن تراجع إرادة الولايات المتحدة ورغبتها في التورط في مشاكل الشرق الأوسط وحروبه، واسترخاء التحالفات التقليدية بعد اتفاقها الشهير مع إيران، إلا أن الغموض الاستراتيجي التي تدير به القوة العظمى مصالحها قد يورطها بالفعل في ردود أفعال غير متوقعة.

 

خلال الأشهر الأخيرة، ازدادت التوقعات بأن ثمة قناعات جديدة لدى قطبي النظام الدولي دفعت بها التحالفات الرخوة التي وسمت نصف عقد من عمر الأزمة، والتي أطالت عمر الصراع، وزادت من كلفه على الطرفين، إلى جانب التأثيرات المتزايدة لضغوط اللاجئين والهجرة على الدول الغربية، وكان آخر تلك التأثيرات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبدرجة ربما أكثر سلسلة الهجمات الإرهابية التي تضرب مناطق متعددة من العالم. إذ تأكدت القناعة أن الأزمة السورية هي المفرّخة الأساسية التي تصدّر الإرهابيين للعالم، الأمر الذي وصل إلى اتفاق الهدنة الذي انهار سريعا.

 

السريالية السياسية السورية لا تتوقف عند تناقضات الحرب والقوى المتصارعة، بل الأصل في السريالية الدولية، وفي مواقفها من الصراع، وفي حجم التناقضات والفوضى والصفقات الهشة التي لن تأخذ العالم إلا إلى المزيد من الحروب.

(*) كاتب أردني.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق