هموم ثقافية

ما لابدَّ منه

حقًا، لم يعد ممكنًا الإعلان عن إنشاء منبر ثقافيّ جديد، سواء أكان موقعًا إلكترونيًّا أم مجلّة أم صحيفة، من دون التساؤل، وبوضوح تامّ، عن الجدوى من ذلك، بل وعن معنى ودور الثقافة في ظلّ الكوارث الإنسانيّة الرهيبة الجارية في بلداننا العربيّة، خصوصًا في سوريّة.

وهذا ما عبَّر عنه الشاعر أمجد ناصر في مقالٍ له، لمناسبة إطلاق موقع ثقافي جديد، حين تساءل، بصدق وحسّ عميق، عن معنى أن نتحدّث عن قصيدة النثر، والفرق الموسيقيّة التجريبية، والسينما البديلة.. “فيما الأوّلي، الجوهري، غائبٌ: البلد، الحياة، التحقّق الإنساني من أيّ نوع أو درجة؟”

وإذا كان قد أجاب عن تساؤله المرّ بتساؤل أشدّ مرارة: “ولكن، ما الذي علينا فعله، نحن الذين لا نحسن إلاّ الكتابة، الرسم، الغناء، الرقص؟” ففي الجواب ما لا يُقرّ بواقع التعطيل الذي فرضته الحرب على الفعّالية الثقافيّة فحسب، وإنّما ما يشير –أيضًا- إلى هشاشة معنى الانشغال بهموم ثقافيّة -لا مندوحة للمثقف عن الانشغال بها- فيما صوت مطحنة فرم الحياة برمّتها في سورية يعلو ويشتدّ ساعة بعد ساعة!

هذي هي محنة العمل الثقافي في الراهن؛ محنة أيّ نشاط ثقافيّ، من أيّ نوع ومن أيّ لون كان. محنة المثقّفين الكتّاب والفنانين. محنة الشعر والرواية والقصّة والمسرح. محنة الندوات والملتقيات وحتى معارض الكتب.

ثمّة تساؤلات –اليوم- عن المؤدّى والمعنى والجدوى من العمل الثقافي، لا يجدي إنكارها. قبل الثورات، كانت ثمة تساؤلات لدى المثقّف المعارض عن لعنة استمرار الاستبداد وتوريثه، وعن تفشّي التسلّط على الحياة الثقافية والناس، وعن وَهَنِ الأثر الثقافي؛ فكيف سيكون الحال مع إبادة مختلف المعاني مما يحصل الآن؟

وإذا كنتُ قد قلتُ بأن العمل الثقافي في محنة، فلأنّ شعورًا بالغًا بالانسحاق -لدى المثقّف وغير المثقّف- يترافق كالظلّ مع الشعور البالغ بالعجز، من جراء كوارث جارية في حياة الناس، لا عهد لهم بها، ولا مثيل لها في عصرنا هذا.

وعلى الرغم من ذلك -ومن عجائبه- أنّه لا بدّ من عمل ثقافيّ.

مقالات ذات صلة

إغلاق