قضايا المجتمع

المرجعيات الشيعية المعاصرة

تُعدّ “مرجعية التقليد” من أهم وأعظم المراتب عند الشيعة في العصر الحالي، والسبب في ذلك حجم السلطة والنفوذ الذي يتمتع بها صاحب تلك المرجعية، داخل الأوساط الشيعية التي تعتقد به وتقوم بتقليده.

ففي القرون الأولى من تاريخ الشيعة، كان الأتباع دائمًا ما يذهبون إلى الإمام الذي يوجد في زمانهم؛ فيسألونه ويستفتونه في المسائل والمشكلات التي تبدو لهم، وكان الإمام يُجيبهم ويفتيهم ويُبيّن لهم أحكام الدين وصحيحه، ويُظهر لهم سبل الحق والرشاد.

بقي ذلك المنهاج في التعامل ما بين الشيعة وأئمتهم من آل بيت الرسول (ص) حتى عام 260 هـ، حينما تغيّب الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري، بحسب الرواية الشيعية، هربًا من الملاحقة العباسية المستمرة، وقد عُرفت تلك الفترة بفترة “الغيبة الصغرى”، واستمرت في الفترة الواقعة بين 260هـ و329هـ، وكان التواصل ما بين الإمام، من جهة، وأتباعه، من جهة أخرى، يتم عن طريق وكيل أو نائب للإمام، يختاره بنفسه.

في عام 329هـ، أبلغ الإمام أتباعه، عن طريق علي بن محمد السمري، أن عليًا هو آخر سفرائه إليهم، وأن الإمام سوف يدخل فترة “الغيبة الكبرى”؛ فلن يظهر مرة أخرى إلا آخر الزمان، حينما ينتشر الظلم ويستشري الجور، وأنه عندها سيظهر؛ ليعيد الحق والعدل مرة أخرى.

كان السؤال المشكل عند الشيعة، هو: كيف يتصرفون في أثناء تلك الفترة؟ وإلى أين يذهبون عندما تُعرض لهم المسائل والمشكلات التي لا يستطيعون حلها؟

جاءت الإجابة عن ذلك السؤال، كانت من الإمام نفسه، قبل تغيّبه، ذلك أنه أخبر أتباعه بأن يرجعوا إلى الفقهاء والعلماء، ومن ذلك قوله: (أما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم).

وكذلك فقد وردت بعض الإشارات عن إجابة ذلك التساؤل في حديث الحسن العسكري لأتباعه، في قوله (أما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا على هواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإن من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامة، فلا تقبلوا منا عنه شيئًا ولا كرامة).

بتلك الأدلة وبغيرها، أصبح كل شيعي، ومنذ عام 329هـ وإلى الآن، يختار واحدًا من كبار الفقهاء والعلماء؛ ليكون مرجعًا له يقلّده في دينه.

ونلاحظ أن هناك عددُا من مراجع التقليد، ولذلك؛ فإن الشيعة (الاثنا عشرية) لا يجتمعون على تقليد فقيه واحد فقط، بل إن كل مجموعة تختار لها واحدًا من المراجع المعروفين المشهورين، المشهود لهم بالكفاءة والعلم.

هناك اختلاف كبير بين فقهاء الشيعة وعلمائهم، حول جواز تقليد المرجع الميت، فيرى بعضهم، وبالأخص من أتباع المدرسة الإخبارية، أنه يجوز تقليد المراجع المتوفين، أما الرأي الثاني، فإنه يحرم تحريمًا مطلقًا تقليد المراجع المتوفيين، ويوجب تقليد واحد من المراجع الأحياء.

التطور التاريخي للمرجعية

من غير المعروف على وجه التحديد من كان أول من شغل منصب المرجع في التاريخ الشيعي الإمامي، وأغلب الظن أنه كان العالم والفقيه المعروف بـ “ابن أبي عقيل العماني” المتوفي في عام 340هـ تقريبًا.

لا يتوافر حول (ابن أبي عقيل) كثير من المعلومات، وكل ما وصل عنه إلى علمنا أنه قد صنف كتابين مهمين في الفقه والعقائد الشيعية، وهما “الكر والفر في الإمامة”، و”المتمسك بحبل آل الرسول في الفقه”.

بعد العماني، ظهر كثير من العلماء والفقهاء الذين أضحوا من المراجع الشيعية المحسوبين، والذين يتبعهم الملايين من أهل المذهب الشيعي، ومنهم الكليني (ت329هـ) صاحب كتاب “الكافي”، والصدوق (ت381هـ)، صاحب كتاب “من لا يحضره الفقيه”، والشيخ المفيد (ت413هـ)، صاحب كتاب “الاعتقادات”، والطوسي (ت460هـ)، صاحب كتابي: “الاستبصار” و”تهذيب الأحكام”.

وهكذا كان يظهر في كل عصر وزمان، واحد من كبار العلماء الذي يقود الشيعة الإمامية، فكريًا ودينيًا؛ ليحفظ لهم وجودهم المذهبي الطائفي، ويضمن ألا تتم شرذمتهم وتفرقتهم وسط طيف المجتمع الإسلامي الثقافي، الفسيفسائي الشكل والطابع.

أهم المراجع المعاصرين

ويوجد في الوقت الراهن كثير من المرجعيات الشيعية في بلدان شتى من العالم، ومن أهم مراجع التقليد الموجودين حاليًا:

علي السيستاني

وهو مرجع عراقي من أصول إيرانية، ولد في مدينة مشهد ، ثم رحل في شبابه إلى مدينة النجف العراقية، ودرس في حوزتها العلمية، وتتلمذ على يد المرجع “أبو القاسم الخوئي”، ثم تصدى للمرجعية في عام 1992م بعد وفاة أستاذه.

علي خامنئي

من أهم المراجع الشيعية في إيران، وهو يقيم في طهران، ويقلده شيعة عديدون، داخل إيران وخارجها.

ينحدر خامنئي من مدينة مشهد، وقد شارك بفاعلية في أحداث “الثورة” ضد نظام الشاه في إيران عام 1979.

وبعد نجاح “الثورة”، تولى خامنئي منصب رئاسة “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، في الفترة من عام 1981 إلى عام 1989، حيث اختاره المرشد الأعلى لـ “الثورة”، الخميني؛ لخلافته في منصبه، وهو الأمر الذي تحقق فعليًا عُقب وفاة الخميني في 1989.

ويرى كثير من المتابعين للشأن الايراني أن خامنئي استطاع أن يُسيطر سيطرة كاملة على كل سلطة موجودة في الدولة، وأنه قد هيمن -كذلك- على كثير من الموارد الاقتصادية فيها، حيث توجد بعض التقارير التي تقدر حجم ثروته بما يقترب من 36 مليار دولار أميركي، بينما قدرت تقارير أخرى حجم تلك الثروة بما يعادل 95 مليار دولار، وهو ما يعني أن خامنئي قد استطاع أن يجمع في يديه السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية في إيران جمعًا مطلقًا.

محمد سعيد الحكيم

مقره مدينة النجف العراقية، وهو ثاني أكبر المرجعيات الشيعية في العراق، بعد السيستاني، كما أنه المرجع الكبير الوحيد -حاليًا- الذي ينحدر من أصول عربية خالصة.

ولد الحكيم عام 1934، أي: أن عمره الحالي 82 عامًا، وهو سليل عائلة الحكيم التي تتمتع بمكانة دينية شيعية وعلمية متميزة في العراق، وتعرض للسجن في الفترة من 1983 إلى 1991، وبعد فترة من خروجه من السجن، طرح مرجعيته عام 1994.

ويُعرف عن محمد سعيد الحكيم أنه من أهم رجال الدين الشيعة العراقيين الذين ساهموا في الدعوة إلى تشكيل ميليشيا “الحشد الشعبي” الشيعية؛ للسيطرة على المدن الواقعة في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية.

كمال الحيدري

مرجع شيعي عراقي، يقيم في مدينة “قم” الإيرانية، واشتهر بمناظراته العقائدية مع المذاهب والفرق الأخرى، عبر مجموعة من البرامج التلفزيونية التي تبث على قناة الكوثر.

بشير النجفي

ولد في مدينة “جالندهر” في الهند، وتلقى تعليمه الديني الأولي في مدينة لاهور، ثم سافر إلى النجف، وتتلمذ على يد “أبو القاسم الخوئي”، وبعد وفاة الخوئي، أعلن تصديه للمرجعية.

محمد إسحاق فياض

ولد في أفغانستان، وانتقل في شبابه إلى مدينة مشهد الإيرانية، ثم ارتحل إلى مدينة النجف العراقية، حيث أتم دراسته الدينية، ثم ما لبث أن تصدى للمرجعية، وأصبح من كبار مراجع الحوزة الشيعية.

صادق الحسيني الروحاني

مقره في مدينة “قم” الإيرانية، وكانت له مشاركة فعالة في “الثورة الإيرانية” ضد الشاه البهلوي، حيث قام بدور بارز في تأييد الخميني ومساعدته.

ولكن حدث تغير كبير في موقف الروحاني من نظام الخميني، بعدما اختار الأخير حسين منتظري لنيابته، وهو الأمر الذي اغضب الروحاني؛ فهاجم الخميني، فضُيّق عليه، وأبعده النظام الإيراني عن المشهد السياسي، ووضع قيد الإقامة الجبرية؛ ما أدى إلى تراجع شعبيته وضعف مرجعيته الدينية.

محمد جميل حمودي العاملي

مقره في العاصمة اللبنانية (بيروت)، وهو معروف بآرائه الراديكالية ضد المسلمين السنة، ويظهر هذا في تكفيره للمسلمين السنة، وتعرضه لرموزهم، وتحريمه أكل ذبائحهم.

كما أنه من ضمن مراجع الشيعة الذين ينتقدون النظام الإيراني، ويعلنون رفضهم لنظرية “ولاية الفقيه”.

وقد تسببت آراؤه التكفيرية المتطرفة إلى حدوث عدد من المصادمات بين أتباعه، وبعض المسلمين السنّة في لبنان، ومن أشهر تلك المصادمات ما حدث في عام 2011، عندما هاجم مجهولون منزله، وتعرضوا له ولبعض أتباعه بعد إساءته لزوج الرسول للسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق.

صادق الحسيني الشيرازي

من مراجع حوزة قم الإيرانية، وأسرته لها باع طويل في العلم الديني، وقد تصدى صادق الشيرازي للمرجعية بعد وفاة أخيه محمد الشيرازي عام 2001.

تُعدّ المرجعية الشيرازية واحدة من أهم المرجعيات الشيعية الموجودة في العالم الآن، وتتميز تلك المرجعية بميلها للعودة إلى الأصول والتقاليد القديمة في الفكر الشيعي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق