قضايا المجتمع

إطلاق مشروع (البيت التدمري) لتأهيل المجتمع المدني في تدمر

أُطلق في العاصمة الفرنسية باريس مشروعًا للمساعدة بتطوير وتأهيل المجتمع المدني في مدينة تدمر السورية، التي توالى على السيطرة عليها تنظيم الدولة الإسلامية، ومن بعده القوات الروسية وقوات النظام السوري، وميلبشيات رديفة موالية لإيران، وتسببت هذه المتوالية بهجرة وهروب قسم كبير من أهالي المدينة، كما تسببت بتخريب للعلاقات المجتمعية، فضلًا عن الدمار المادي الكبير الذي لحق بالمدينة وآثارها وبناها التحتية والخدمية والمدنية.

وفي مقر عصبة حقوق الإنسان في باريس، وضمن فعاليات “مقهى مواطنة” الذي تنظمه شهريًا جمعية متخصصة بالشأن السوري، أُعلن عن انطلاق مشروع حمل عنوان “مشروع البيت التدمري”، وهو نتيجة جهد طويل، استغرق عدة أشهر للتحضير للانطلاق، وهو وفق مؤسسيه، محاولة للمساعدة بتطوير وتأهيل المجتمع المدني في تدمر، وهو ليس جمعية خيرية أو إغاثية، كما اعتاد السوريون أن يؤسسوا؛ للحالة الإنسانية والمادية الصعبة التي تعيشها الأغلبية العظمى من السوريين، كما أنه ليس مجلسًا محليًا بديلًا، ولا يرتبط بمؤسسات أو أفراد محددين، ولا يقدم نفسه ممثلًا للمدينة بأي شكل من الأشكال، بل هو مشروع يحمل طابعًا فكريًا تعليميًا بالدرجة الأولى، ويُعنى بالمجتمع والإنسان والمستقبل.

ودعا القائمون على المشروع جميع السوريين من أبناء المدينة، أو من المهتمين بها، وبمساعدة مجتمعها؛ للالتحاق بالمشروع ودعمه، لكنّهم اشترطوا ألا يكون من مجرمي الحرب، أو ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين.

وحول المشروع وطبيعته وهيكليته، قال محمد طه، خبير الآثار السوري، ابن مدينة تدمر المشرف على المشروع، لـ (جيرون): “مشروع البيت التدمري” هو مشروع منظمة تُعنى بتطوير وتأهيل المجتمع المحلي التدمري، بحيث يكون قادرًا على إعادة إعمار الإنسان والمدينة في تدمر، وفكرته كانت حلمًا قديمًا، حلمت به مجموعة من أبناء المدينة في عمر الشباب، وكانت فكرته أبسط من ذلك حين بدأنا التفكير بها، وبوصولنا إلى الجامعات الفرنسية، لاحظنا أن الناس يخافون منا عندما نعرّفهم بأنفسنا بأننا من تدمر، وكان سؤالهم المباشر “من السجن”… ومن هنا انطلقت فكرتنا، وهي إمكانية تحويل سجن تدمر الشهير والسيئ الصيت إلى بيت، يحمل اسم المدينة، يستقبل الناس من كل مكان للتبادل الثقافي، والقيام باستضافتهم فيه، معززين مكرّمين، بدلًا من أن يكونوا سجناءً فيه”.

واستطرد طه في وصف مراحل تطور المشروع، وقال “طُوي المشروع لاصطدامه بالواقع الاجتماعي في المدينة، قبل السياسي، ذلك؛ لأن الحالمين بالمشروع كانوا ينتمون إلى عائلات مختلفة، وكان نظام البعث لسوري قد استطاع -خلال عقود من العمل الأمني- تفريق السكان على أسس عائلية، ولأن النظام السوري لم يجد في التركيبة السكانية أي بذور لبث الفرقة، لأن السكان كلهم عرب ومسلمون، فلعب على وتر نظام العائلة، فخرّب العلاقات بين الأسر والعائلات، وهو ما اصطدم به مشروعنا في البداية”.

وبعد أن ارتُكبت عملية تفريغ كبيرة للسكان، ودُمّرت البنى التحتية وأهم الآثار، قال طه: “بعد الخراب، وبعد أن تمت عملية تشريد شبه كاملة لأهالي تدمر، وما نجم، وما سينجم عن ذلك، من خلل في النظم الاجتماعية لدى السكان، وخلل في علاقاتهم المجتمعية، قبل علاقتهم بالمدينة، رأينا أن الوقت قد حان لمحاولة إطلاق المشروع؛ ليتحول من حلم إلى محاولة لملامسة الواقع وتحليله؛ بهدف التأثير فيه إيجابًا وتغييره.

وتابع: “المشروع عبارة عن مراكز تخصصية، تعمل بجهد من أبناء المدينة وأصدقائهم، وكل مركز سيحاول إيجاد السبل؛ لتهيئة وتطوير كوادر المدينة، كل بحسب تخصصه، من خلال توفير الأدوات اللازمة لذلك، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات محلية ودولية، لديها الخبرة في هذا العمل”.

ويتألف المشروع وفق مخططاته الأساسية من مركز للإعمار، وآخر للتراث، وللطفولة، ومركز للعودة، وآخر للتعليم، وللصحة، وللتوثيق والدراسات والإحصاء، فضلًا عن مركز إعلامي.

ويؤكد الخبير في آثار تدمر وبالمنطقة وأهلها، قائلًا: “ليست مهمة مشروعنا الإغاثة، فالميدان ممتلئ بمن يعملون في هذا المجال، مشروعنا يعمل لتدمر وأهلها؛ لتهيئتهم للعودة إليها، كفاعلين ومُنتجين وبنّائين لها، لا مجترين لماض قاتم -في أغلبه- على كل الصعد”.

وعن الشرائح المُستهدفة من المشروع، والمشاركة فيه، قال “الباب مفتوح لكل من يريد الخير للمدينة، من أهلها ومن غير أهلها، وكل من يؤمن بهذا العمل وأهدافه، شرط ألا يكون قد ارتكب جرائم بحق الإنسان ومحيطه”.

وحول ما إن كانت هناك بقايا من داخل تدمر، من الشباب الواعي والكوادر التي يمكن أن يُعتمد عليها لمشروعات بناء الإنسان، خاصة بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وخروجه من المدينة، وحلول الأفغان وميليشيات النظام محلّه، وتدميرهم لكل ما هو إنساني، قال طه: “لا يوجد حاليًا في تدمر أكثر من 80 عائلة، والباقي مُشرّد في بقاع الأرض، والهدف هو تجميع الكوادر الموجودة في تدمر، مع تلك المُنتشرة في بقاع الأرض، وتطويرها وتأهيلها أكثر، ورفدها بكوادر جديدة، من خلال برامج مخصصة في هذا المجال”.

وفيما إن كان المشروع سيبدأ بزخم من الآن، أم أنه سيمر بمرحلة تأسيسية طويلة؛ لينطلق بزخم بعد انتهاء الحرب، وأوضح: “لدينا إمكانيات شبابية هائلة، زاخرة بالطاقات، لكنها غير مُنظمة، ولا تجد من يمنحها الفرصة للإبداع، وبدأنا منذ أشهر بتهيئة الكوادر الأولية الأساسية، التي ستعمل على إطلاق المشروع من خلال دورات تأهيل حية، أو تفاعلية عبر شبكة الانترنيت. فقبل بناء أي بيت، يجب وضع رسمه الهندسي ودراسة هندسية جيولوجية مستفيضة له، وتحضير المختصين والبنّائين؛ لذلك نبدأ اليوم؛ لنبني غدًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق