مقالات الرأي

رئيس أميركا الحقيقي لم يحضر المناظرة

خلال متابعتي تعابير وجه هيلاري كلينتون، المرشحة الرئاسية الأميركية عن الحزب الديمقراطي، وهي تستمع إلى منافسها مرشح الجمهوريين دولاند ترامب، تداعت إلى ذاكرتي تلك المهاترة أو (الردح) بين سيدتين سوريتين في مسلسل باب الحارة، وكل منهما تفخر بتاريخ عائلتها، وتعيب على الأخرى تاريخها، وفي الحالين، المناظرة، والردح، فإن الرجل القوي زوج الاثنتين في المسلسل، أو الرئيس الحقيقي والدائم للولايات المتحدة الأميركية، لم يكونا في المشهد!!

هل صحيح أن أحد المرشحين هيلاري أو ترامب، سيكون الرئيس الحقيقي للولايات المتحدة الأميركية؟ أم أن الرئيس القديم الجديد الباقي إلى الأبد يُتابع المناظرة من مكتبه في لاس فيغاس، مدينة القمار الأغنى في العالم؟ أم أنه ذلك الذي يحرك خيوط الشخصين من إسرائيل عن بعد؟ وقد يكون ذلك الجالس في غرفة ما بشارع وول ستريت السفلي لمنهاتن في نيويورك، وهو يفرك كفيه مغتبطًا كلما حمي الوطيس بين المتنافسين.

كتب عضو الكنيست الأسبق، وعضو حركة السلام الإسرائيلية، يوري فنيري، أن شيلدون ألديسون، البالغ من العمر 81 سنة، وهو ملك القمار في الولايات المتحدة، وعاشر أغنى رجل في العالم، وتزيد ثروته عن 37 مليار دولار، قام بالتحضير للانتخابات الحالية، بادئًا هذه العملية بدعوة جميع المتطلعين لترشيح أنفسهم لزيارته في لاس فيغاس، وجاؤوا جميعًا للمقابلة؛ بهدف الحصول على وظيفة رئيس الولايات المتحدة، وكما هو الحال في ساحات سباق الخيل، كل الخيل تكون تابعة لمافيا الخيل، أيها يربح ربحت المافيا.

يقول د. عبد الحي زلوم، وهو قد عاش ودرس في أميركا، ويتابع الحياة السياسة فيها عن قرب على مدى 55 عامًا: “ليس الحاكم بأمره في أميركا نتنياهو، ولا أوباما، ولا ملك القمار فحسب، وإنما هو رأس المال الذي تمّ تفصيل النظام الأميركي لخدمة أصحابه، سواء أكانوا ملوك قمار أم مرابين في وول ستريت، وهؤلاء جميعًا هم ملوك كازينو اقتصاد العولمة، كما جاء في كتابه: (مستقبل البترول العربي في كازينو العولمة).

في المناظرة التلفزيونية التي شاهدها حوالي 80 مليون أميركي، وربما مليار شخص حول العالم، وجّهت هيلاري لترامب لكمةً على جبينه مباشرةً، عندما قالت له: “أنت كنت تطرد العمال من مؤسساتك، دون أي تعويض، وتعرضهم للتشرد مع عائلاتهم”، وهي ظنت أن ترامب سيفقد توازنه ويترنح على خشبة الحلبة!! لكنه أخذ نفسًا عميقًا وقال منتشيًا: “إن القانون الأميركي يسمح لي بذلك”، ثم عادت هيلاري لتلكمه في المكان نفسه، قائلةً: “لقد أعلنت إفلاسك 4 مرات، وشردت آلاف العمال!!” أجاب دون مبالاة: “لو أنني خالفت القانون، لما عدت لأنشط من جديد”.

ترامب وهيلاري لم يتوجها -قطّ- لانتقاد القانون الذي ترك لصاحب رأس المال الحرية في أن يطرد العمال دون تعويض، وأن يميز بين الرجل والمرأة في الراتب، بل لجأت هيلاري إلى لائحة حقوق الإنسان؛ لتكسب تعاطف النساء الأميركيات عندما قالت: “علينا أن نُقدّم الدعم للمرأة الأم في الحصول على إجازات مدفوعة عند الحمل والوضع”، وحاولت كسب أصوات طلبة الجامعات؛ فتعهدت بأن تسعى لتخفيض تكاليف الدراسة دون أن تُؤكد قدرتها على سنَ القوانين؛ لتتحول تلك الأماني إلى حقيقة إذا فازت كأول رئيس أنثى للولايات المتحدة الأميركية؛ لأنها لاشك في أنها تتذكر معاناة شريكها الديمقراطي الرئيس أوباما الذي استغرق 5 سنوات في الكفاح؛ ليحقق نصرًا متواضعًا جدًا في استصدار قانون الرعاية الصحية للفقراء، والذي لم يوفر الرعاية المجانية بالكامل، بل نسبة مجانية، والباقي مدفوعًا؛ بسبب معارضة مجلسي الشيوخ والنواب. بالمقابل؛ فإن دولة صغيرة مثل استونيا على بحر البلطيق، شمالي أوربا التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي السابق منذ 25 سنة فقط، تمنح أحد الوالدين 100 بالمئة من راتبه لمدة 18 شهرًا عند الولادة، إضافة إلى 320 يورو، تُدفع بعد مدة الثمانية عشر شهرًا، مرة واحدة لكل طفل، ويحق للأم استئناف إجازتها المدفوعة، إذا لزم الأمر.

يبدو رأس المال في أميركا متخلفًا جدًا على صعيد اهتمامه بشؤون العائلة الأميركية، قياسًا على كل النظم الرأسمالية التي تحكم أوروبا وكندا واستراليا ونيوزلندا واليابان؛ وحتى كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وغيرها؛ ففي تلك الدول تتدخل الحكومة -من خلال قوانين عادلة- تحت راية الدستور؛ لتنصف المرأة والعائلة والطلاب والعمال. نادرًا ما يُضرب العمال في الولايات الخمسين، والسبب هو الخوف من فقدان الوظيفة، وغالبًا ما يحرص الموظف والعامل على إرضاء رئيسه المباشر، وعدم توجيه النقد له ليحتفظ بمعاشه؛ حتى أن نقابة العمال تفترض شروطًا ماليةً، لا يقدر على دفعها العامل؛ لينضم إليها كي تدافع عنه.

“هناك أمران مهمان في السياسة الأميركية: الأول هو المال، والثاني لا أستطيع تذكره!!”، هكذا قال ساخرًا السيناتور مارك حنا، مدير الحملة الرئاسية للمرشح ويليام ماكنلي عام 1896، ونحن نرى الآن، وبعد مرور عشرات العقود، أن دور المال في العملية السياسية الأميركية لم يتغير كثيرًا، وقالت صحيفة نيويورك تايمز: “إن 158 أسرة ثرية فقط، ضخت نصف أموال الحملات الدعائية الأولية للمرشحين الديمقراطيين والجمهوريين بدفع 176 مليون دولار، وتميل تلك الأسر -في مجملها- لدعم الجمهوريين، وهناك 20 أسرة منها فقط، تدعم الديمقراطيين، بينما تدعم الـ 138 أسرة الباقية المرشحين الجمهوريين الذين يدعمون الطموحات الاقتصادية لتلك الطبقة، وترى الصحيفة -في ذلك الدعم تجاه الجمهوريين- ما يُعزز الرأسمالية المتطرفة، ويضع سقفـًا لطموحات شرائح ديموغرافية واسعة، بدأت تميل -بقوة- في السنوات الأخيرة للديمقراطيين، مثل الشباب واللاتينيين والأفارقة.

تبدو هيلاري كلينتون أقلَّ دعمًا بالمال، بما لا يُقارن مع منافسها الملياردير دولاند ترامب، لكنها تتفوق عليه بسجل سياسي طويل الأمد؛ فهي بدأت مشوارها مستشارة قضائية في مجلس الشيوخ، بعد نيلها شهادة الدكتوراه في الحقوق عام 1973، وفي وقت لاحق، ستشغل منصب عضو مجلس الشيوخ، ثم السيدة الأولى في البيت الأبيض، بوصفها زوجة الرئيس بيل كلينتون، وبعد ذلك وزيرة الخارجية الأميركية، فترة رئاسة أبوما الأولى، وقد حفلت حياتها السياسية والاجتماعية -عمومًا- بنشاط دؤوب؛ من أجل حقوق المرأة والطفل والرعاية الصحية وإصلاح التعليم وإفساحه للفقراء. أما منافسها دونالد جون ترامب، الأكبر منها بعام واحد، والمولود عام 1946، فهو رجل أعمال وملياردير عريق، وشخصية تلفزيونية شهيرة عالميًا، من خلال برنامج تلفزيون الواقع الذي قدمه على قناة (إن بي سي)، ووُزّع على شاشات العالم، وهو رئيس منظمة ترامب العقارية، ويدير مشروعات عديدة وشركات، مثل: منتجعات ترامب الترفيهية التي تملك عددًا من الكازينوهات والفنادق، وملاعب الغولف، والمنشآت الأخرى في جميع أنحاء العالم. ولأن عجلة الإعلام يُديرها المال، وكذلك العلاقات العامة، فإن دولاند ترامب لا يزال يخطو على الحبل المهتز، بتصميم وإرادة، باتجاه البيت الأبيض، وقد يسقط على الطريق، وربما يصل، ومثله تسير هيلاري كلينتون على الحبل نفسه، وإن كانت سبقته بخطوة. لكن الرئيس الحقيقي والدائم، على أي حال، سيكون دائمًا في مكان آخر غير البيت الأبيض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق