تحقيقات وتقارير سياسية

استهداف مستشفيات حلب يُضاعف الضحايا ويُوقع الأطباء في مأزق

كثّفت قوات النظام وحليفتها الروسية استهداف المستشفيات والمراكز الطبية في حلب الشرقية، منذ معاودة حصارها، وكانت على أشُدّها عُقب انتهاء الهدنة الأميركية – الروسية الأخيرة؛ فقصفت عددًا كبيرًا من المراكز الطبية والمستشفيات، وكان آخرها المستشفى الكبير في حي الصاخور؛ ما أدى إلى خروجه من الخدمة تمامًا.

وفي هذا الشأن، قال الطبيب أحمد محمد، المقيم في حلب الشرقية لـ (جيرون): “الوضع صعب جدًا في ظل الاستهداف المتكرر للمستشفيات والمنشآت الصحية، ومنظومات الإسعاف والدفاع المدني، حيث خرج في الآونة الأخيرة أكثر من خمس مستشفيات عن العمل، استطعنا ترميم بعضها، لكن قسمًا منها خرج كليًا عن الخدمة، كمستشفى القدس، و(م 10)، وإذا نظرنا إلى لوضع الطبي قبل ثلاثة أشهر، أي: قبل الحصار، سنلاحظ أنه كان سيئًا أيضًا، فعدد الأطباء لا يتجاوز الـ 35 طبيبًا لـ 350 ألف نسمة، يقطنون القسم الشرقي من المدينة، ولا يتجاوز عدد الجرّاحين منهم 15 جرّاحًا من الاختصاصات المختلفة، إضافة إلى غياب الأطباء من ذوي الاختصاصات النادرة، كالجراحة الوعائية والعصبية، والنقص في الأجهزة والمعدّات الطبية، وازدياد عدد المرضى والجرحى، مع عجز تغطية الإصابات في حالات المجازر التي تُرتكب كل يوم، حيث لا تستوعب المستشفيات الأعداد الهائلة من الإصابات”.

خروج (م 10) عن الخدمة

يُعدّ مستشفى (م 10) واحدًا من أهم المستشفيات الجراحية وأكبرها في حي الصاخور، يستقبل ويعالج المصابين بمختلف الاختصاصات، ويحتوي على وحدة عناية مشدّدة وعيادات خارجية للرعاية الأولية، وبحسب محمد، فإن عدد المستفيدين شهريًا من هذا المستشفى “كان يتجاوز الـ 2500 مراجع إسعافي، وقريب من هذا العدد في العيادات الخارجية، وفُقدت تلك الخدمات مع بدء الحصار الخانق، مع النقص الشديد في عدد الأطباء، واستُهدف المستشفى ثلاث مرات خلال الأسبوع الماضي، كان الاستهداف الثاني بسبع غارات جوية، بكافة أنواع الصواريخ والقنابل؛ أدت إلى استشهاد اثنين من المرضى وجرح ثلاثة عشر آخرين، والاستهداف الأخير كان بصاروخ ارتجاجي أدى لدمار 60 بالمئة من البناء والمعدات، وأصبح من المستحيل إعادة تفعيله في الوقت الراهن، وخصوصًا بعد استشهاد 7 من عمّال الترميم و الصيانة، وانتقل الكادر إلى المستشفيات الأخرى المتبقية في المدينة”.

الأطباء مستهدفون أيضًا

منذ اندلاع الثورة كان لاستهداف القطّاع الصحي والكوادر الطبية دورًا سلبيًا، فاقم عدد الضحايا وعدد حالات الإعاقات والعجز، الناجمة عن الإصابات الشديدة، واستهدف النظام الأطباء بشكل خاص، فلاحقهم واعتقلهم، وهناك توثيقات عديدة تؤكد استشهاد عدد كبير منهم تحت التعذيب، وفي هذا المعنى، أشار محمد “إلى قضاء 3 أطباء من أصدقائه تحت التعذيب، إإضافة لـ 3 طلاب طب حُرّقوا وهم أحياء؛ لأنهم كانوا يساهمون في إسعاف جرحى المظاهرات السلمية في حلب”.

وأوضح، قائلًا: “كان في محافظة حلب ما يزيد عن 5 آلاف طبيب، وضمن الطرف المحرر لوحده ما يتجاوز الألف طبيب، اضطّر كثير منهم؛ بسبب الاستهداف المُبكّر والعنيف، إلى الهجرة خارج سورية؛ ما أحدث عجزًا تامًا في المنظومة الطبية، وبقي عددٌ قليل منهم، هؤلاء أصروا على تدارك الموقف المأسوي، فقاموا بأعمال خارقة، وبإمكانيات متواضعة أثبتوا براعتهم، وقدرتهم على التكيّف مع الأوضاع الصعبة، فأهم مقومات نجاح العمل الطبي هو الحماية من القتل أو الاعتقال والعمل في بيئة آمنة لا تتعرض للقصف المباشر والممنهج”.

وبحسب محمد، “يحاول الكادر الطبي المتبقّي خلق حلول، ويسعى لسد النقص في بعض المجالات المتاحة، حيث أنشئت مدرسة ومعهد تمريض؛ لتعويض نقص الطواقم الطبية”.

الأدوية إلى نفاذ

إضافة إلى محدودية الأطباء والمستشفيات، هناك خوف من نفاذ الأدوية، حيث تتناقص يومًا تلو الآخر مع ارتفاع عدد المصابين، وازدياد استهلاكهم لها، وفي هذا المعنى، قال محمد: “بالنسبة للأدوية والمستلزمات الطبية، كانت ستكفي، قبل إغلاق طريق (الكاستيلو)، لمدة ستة أشهر؛ لأن عدد الإصابات كانت أقل، أما الآن، وبسبب ازدياد القصف وتركّزه على المدنيين، تضاعف عدد الإصابات، وبالتالي؛ فإنها -وبحسب التقديرات- لن تكفي لأكثر من شهرين”.

ونوّه الطبيب الحلبي إلى أن عدم توافر الإمكانات الطبية المتطورة، يؤدي إلى استشهاد كثير من الأشخاص من ذوي الإصابات الخطِرة، وقال: “قبل الحصار كنا نحوّل الحالات المعقّدة إلى المستشفيات الحدودية أو التركية، أما بعد الحصار، فلم يعد بمقدورنا إلا التعامل معها بما هو متوفّر من إمكانيات وخبرات، والحالات الخطرة والشديدة تتوفّى؛ لعدم توافر العلاج أو الاختصاصيين، كحالات الأورام والإصابات العصبية البليغة”.

بالنسبة لأعداد الجرحى التي تتطلّب حالاتها الإخلاء الطبي السريع، لفت محمد “إلى وجود مالا يقل عن 600 مريض، تتراجع أحوالهم، وتنقصهم أدوية ورعاية طبية متطورة، وإلا فإن حياتهم مُهدّدة بالخطر، وهناك أزمة في استقبالهم؛ لقلة الأماكن الشاغرة، فبعد قصف المستشفى الكبير، لم يتبق إلا مستشفيان جراحيان، وثلاثة مستشفيات رعاية أولية (نسائية وأطفال وداخلية وعينية)، كما خرج مركزان لغسيل الكلى عن العمل، وبقي مركز وحيد”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق