مقالات الرأي

سورية المفيدة أم سوريات مفيدة!

مذ برز مصطلح “سورية المفيدة”، والعقل الجمعي المسيطر، يربط بينه وبين النظام ورعاته الروس والإيرانيين فحسب، على الرغم من أنّ الواقع يقول غير ذلك! فإذا كانت “سورية المفيدة” التي يجري الحديث عنها هي -فعلًا- ملتقى مصالح الروس والإيرانيين والنظام، فإنّ التدقيق في الرقعة السورية، يبيّن أنّ ثمة “سوريات مفيدة” أخرى، تولد وتتكاثر، وفقًا لخارطة الدول الفاعلة في سورية، فلكلّ دولة سورياها المفيدة الخاصة بها، وأيضًا أعلامها، وما حادثة رفع العلم الأميركي في إحدى البلدات السورية، ورفض واشنطن إعلان الاتفاق الروسي – الأميركي حول الهدنة، إلا غيض من فيض، يذكرنا بمناخات “سايكس بيكو”.

الأكراد السوريون يفكرون بسورياهم المفيدة التي تُبعد عنهم شبح سورية البعثية التي ذاقوا مرّها (إيديولوجيةً ونظامًا)، وبعضهم يطمح لأن تكون سورياه الكردية مَعبرًا لكردستانه الكبرى، أي ليست إلا “ممرًا”، كما كانت سورية في أذهان كثير منّا “ممرًا” إلى الوحدة العربية الكبرى من المحيط من الخليج، أو الأممية الاشتراكية أو الدولة الإسلامية!

تركيا أيضًا، بدأت الإعداد لسورياها المفيدة؛ لكي تُبعد عنها شبح “سورية الكردية” التي قد تكون “محفزًا” لـ “تركيا الكردية” في الجنوب الشرقي من التركي؛ وكي تكون مَعبرًا لمصالحها الجيوسياسية وأحلامها الإمبراطورية، الآن ولاحقًا. وفي جنوبي البلاد تشكل درعا “المُحرّرة” نوعًا من “سورية المفيدة”، المرهون قرارها لغرفة الموك التي تضع المصلحة الإسرائيلية فوق مصالح السوريين وثورتهم معًا، وما سكوت بنادق الجنوب، إذ هُجّرت داريا أمام صمتها إلّا دليلًا!

وأيضًا تُشكّل مدن مثل السلمية والسويداء، وإن كانتا جزءًا من سورية المفيدة الخاصة بالنظام، نوعًا من “سورية المفيدة” أو دولة داخل الدولة، نظرًا للمكون الديني الطائفي الذي يميّز هاتين المدينتين، والتي تجعل منهما في حال انعزال عن “الاندماج” أو “الانخراط” مع محيطهما المغاير دينيًا، في أوضاع طالما شابها التعايش الحذر في أحوال السلم، وتسودها عوامل عدم الثقة (لا بالنظام ولا بالمكونات الطائفية المتجاورة معها، سواء كانت سنة أو شيعة أو علويين) والاستعداد للأسوأ، فالاحتماء بالطائفة، واللجوء لها هو الملاذ الوحيد في أزمنة الحرب.

ولكن، إذا كانت الدول تبحث عن مصالحها، وتسعى لتحقيقها بأدوات عديدة، منها هذه “السوريات”، فإن السؤال الأكبر المطروح علينا نحن السوريين: لِمَ يتفكك الاجتماع السوري (هل كان اجتماعًا حقًا؟) والدولة السورية بمثل هذه البساطة؟ ولِمَ نبدو قابلين بما يحصل؟ ولِمَ لَمْ نملك إرادة إيقاف ما يحصل أو مواجهته، وكأنّنا مستسلمون لأقدارنا التي ترسمها الدول الكبرى والاستبداد؟

لم تُكوّن سورية التي عشنا فيها بإرادة شعبها، بل كُوّنت بإرادة استعمارية منذ ولادتها، ومذّاك تقاسم الوعي السوري وعيان، تجاورا وتعايشا وغطّيا بعضهما بعضًا: الأول ظاهري علني، والثاني باطني سري، الأول يهجس بالدولة القومية الكبرى، أو الإسلامية أو الأممية، والثاني يهجس بالطائفة والدين والقومية (لدى الأكراد وأقليات أخرى)، فلم تكن سورية الوطنية يومًا موجودة في وعي أبنائها، ولم تكن الدولة السورية التي صادرها العسكر -يومًا- دولة مواطنيها، فهنا -أيضًا- ثمة وعيان: وعي ظاهري يُقدّس الدولة ومؤسساتها، ووعي باطني يخشاها ويخاف منها، ويؤيد سرقتها ونهبها (حلال عالشاطر)، وكأنما كان السوريون يقيمون في الأسطورة (هل هناك أكثر أسطورية وخرافة من أن يؤيد السوريون “مُقاومة”، تقول أدبياتها أنها طائفية، ثم يفاجؤون بأنها تقتلهم، وتمارس التجويع والتهجير الطائفي ضدهم!)، وجاءت الثورة السورية؛ لتنزلهم من فضاء الأسطورة إلى فضاء الواقع الذي أخرج كل ما فيه دفعة واحدة، وكأنه ينتقم من جهلهم وأسطوريتهم، وهم حيارى في آليات التعامل معه… كأنّ حال السوريين مع وطنيتهم ودولتهم كحال الديانات السرية التي تتخذ من التقية نظامًا لها، ينعكس في طريقة حياتها اليومية، فيغدو التداخل بين الواقعي والخيالي أمرًا قائمًا، ويعيش المرء خياله واقعًا وواقعه خيالًا، فيغدو يدافع، وهو مؤمن أشدّ الإيمان، عن أساطير لا مكان لها في الواقع، ويرفض ما يقوله الواقع.

وإذا أردنا أن نذهب أبعد من ذلك في هذا التحليل، ألم تكن سورية حين كانت “موّحدة” عبارة عن “سوريات”، لا يجمع بينها إلا خيط الدولة الواهي، الدولة التي حوّلها الاستبداد إلى مجرد أداة لنزواته الإجرامية، والأيديولوجية القومية للبعث التي ترفض الدولة القائمة أساسًا، لنكتشف -على ضوء الثورة- أن الدولة وأيديولوجيتها تلك، لم تكن أكثر من ورقة بيد نظام، لم يفعل -يومًا- إلا امتلاك الأوراق التي يحرقها الآن ورقة ورقة، ليبقى ولو بحدود “سورياه المفيدة”!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق