سورية الآن

تونس ومولد الصنم البورقيبيّ: قحط في الحداثة

ثمّة تراجيديا سياسية عنوانها قتل الأب، أو بالأحرى ردمه، ولكن يا لامتداد صفاقة كهذه، حين يكون هدف الأبناء لا محرّك له، سوى احتكار امتيازات الأب، لا بناء مشروع تجاوزيّ من بعده، وتكون من سماته التخطّي والتغيير. ما يغذّي هذه التراجيديا وعيهم التام بالعجز، فإذا بهم يتحوّلون الى مجرّد ضفادع كئيبة، تبحث لها عن موطن داخل المستنقعات التقدمية، من قبيل اللغو والغوغاء، وبسط سيرة الذات المنهزمة على منصّة الحنين إلى الماضي، فيتحوّل الأب نفسه إلى منقذ؛ إذ إن فشل عمليّة قتله، مع ضياع تلك الامتيازات، استدعت عودته من جديد.

زعيم الأمس كما يصفه بعضهم الآن، تمّت عمليّة كنسه وتناسيه مرّة واحدة، ولكنه يطلّ علينا من جديد (في شكل تماثيل وأصنام وضعت في الشوارع والمكتبات)؛ ففي سيرة الوهم (النوفمبري)، ولد أب جديد كان بدوره ابنًا (الجنرال بن عليّ)، ولكن اجتثّته الثورة التي سُبيت بعدئذٍ من الكهنة الخرافيين وعصابات الوحش الإرهابيّ؛ ما جعل من أمر عودة ذلك الزعيم -هكذا يوصف الآن من الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الحداثة- ، رحلةً لا تُبشّر بالإقامة عند حدود العقدة الأوديبيّة فحسب، بل تبحث -دائما- عن صولجان جديد، يغذّي مصنع الانحطاط العبوديّ، تلك هي سيرة حداثتنا المعطوبة، وقد احتُكرت -أيضًا- من بعض السياسيين الذين احترفوا صناعة الوهم؛ ذلك أنّهم لم يعيدوا الأب من موقع عجزهم فحسب، وإنّما يعيدوه لغاية الاستئثار بتركته اللاشرعيّة أيضًا؛ ما يحيل -كذلك= إلى المتاجرة بالأموات في مناخات لعبة الشطرنج السياسيّ، إنّها عودة مبنيّة أساسًا على الصراع ضدّ الأصوليّة، وأمام حالة العجز في مواجهتها نبتت هذه الأصوليّة المضادّة، ما يحيل على انسداد أفق ما. أمّا ذلك التمثال، فإنه -وإن كان من جهة نظر هؤلاء الأصوليين الجدد يتخّذ رمزيّة ما- لن يحيل -في حقيقة الأمر- إلا على ثقافة الإقامة في مناخات الوهم والموت.

يدفعنا هذا الأمر إلى القول بأنه ثمّة حداثة لا تمتّ بصلة إلى الفكر التقدمي؛ فهي مجرد استحداث للماضوية، بما تحمله هذه الأخيرة من حلول قديمة، يرفدها السياسيون الآن؛ بغية مواجهة راهنهم الحالي، وقد استحالت عليهم مواجهته.

إنّ هؤلاء المنادين بعودة نصُب الحبيب بورقيبة، وقد أعادوه فعلًا، لا يختلفون في شيء عن منتظري المهدي من غيبته الكبرى، ولا عن أولئك الذين اتخذوا من مهنة رقش الدماء وقطع الرقاب شيئًا، فهم الآن محاربون لا أسلحة لديهم غير صدأ المجد القديم، وإنّه لمن الواضح أننا نقف الآن على شفا جرف الأصوليات المعاصرة، بعضها ارتدّت إلى خيام القديم من الخرافة، وبعضها انتسبت إلى لاهوت له أشداق من دم النصوص المقدّسة، وقد حوّلتها إلى حصان طروادة جديد، وبعضها مازالت تسبّح بحمد ناسوت مادّي؛ فتخون علم الإناسة، ولكنها تخون أيضا المستقبل، وبعضها كالتي نراها في عودة الصنم.

يبدو أن هؤلاء جميعًا باتوا حملًا ثقيلًا يحمله الرّاهن كصليب عديم الجدوى، وبلا أفق، ولا سيما أنهم يلعبون دورًا يهوذيًا جديدًا. يفتقر هؤلاء لا إلى مرجعيات، بل إلى حسّ حواري مع كياناتهم؛ حتى يتسنى لهم خلخلة النزعات الأناوية المقيتة. قد يستحيل عليهم فعلًا العيش دون أنموذج أو دوغم يسيّرهم، بل ويجرفهم. إنها حالة عدمية خالصة، تثبت عقدة النقصان داخل الجهاز الحزبي أو المنظومة الفكرية ذاتها، أجل ثمة تصدع رهيب وطوفاني في ماضويته واندحاره، همّه الوحيد الانغماس في اللصوصية والمتاجرة، وما يمكن أن يغنمه من جرعة حليب إزاء نهد بلاد ترهّلت.

يجدر بنا الاعتراف بأن الهزائم الثورية أو السياسية، من حيث تموضعها الأيديولوجي، أو ربّما الخوف من الخسارات، هو ما يقود تلك المجموعات إلى التحصّن بقلاع أصنام، يجدر بها أن تكون قد أفلت منذ حقبة طويلة من الزمن، هؤلاء -فعلًا- هم الموتى أنطولوجيًا وحياتيًّا، ذلك، أنهم يتنفسون برئة قديمة، جُهّزت لهم سلفًا، ويقاتلون من أجل اللحظة والحدث لا المستقبل. إننا نراهم ضربًا من الخواء وصفيرًا عاليًا على ضفاف مستنقعات تضج بالضفادع الكئيبة، وحتمًا سيولد أبناء جدد من غير ذلك المستقيم الشهواني، باسم الثقافة الأوديبية، ومن خارج الرحم/ الإرث الأرسطي، ومن مساحة لم تشوّهها مقولات فلاسفة الانحطاط، منذ الكأس السقراطية وميتافيزيقا كاره الشعراء أفلاطون. إنّهم صدى ديونيزوس/ دموزي، يقفون الآن أيضًا؛ ليطردوا بروميثيوس من مخيّلة ما تبقى كامنًا داخل سلّة الوهم البشري، وإنّهم -أيضا- يخلقون نارهم من العناصر الثلاثة للكون؛ كي يكتملوا؛ فتكتب القصيدة أبعد من جموح الجياد الحصيفة مع بارمينيدس، هؤلاء الأبناء، هم الآن تحت الحصار، يقودون حلمهم في المعارك الاجتماعية الطاحنة التي تتأجّج من حين إلى آخر؛ فيسلّط عليهم كهنة ذلك الصنم العائد أشدّ أنواع التنكيل والتعذيب، ولكنهم حتمًا، وفي فجر ما، سيتحوّلون إلى معاول تكسر كل تلك الأوثان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق