قضايا المجتمع

“زينب الحصني” ضحية جريمة مزدوجة

كانت الحالة الأولى لمعتقلة يجري الحديث عن قتلها في سجون النظام تحت التعذيب، زينب عمر الحصني، ابنة باب السباع في حمص، ضحية نظام مجرم، ومجتمع لا يرحم في بعض الأحيان.

ذهبت فتاة ملوك، والدة زينب، إلى المستشفى العسكري في حمص، بتاريخ 13 أيلول/ سبتمبر 2011، لاستلام جثة ابنها محمد، والذي قضى تحت التعذيب بعد مرور ثلاثة أيام على اعتقاله من في فرع الأمن السياسي، وظهرت على جثته آثار التعذيب والحروق، وطلقات أصيب بها في صدره. وقيل لأمها أن الجئة الأخرى لابنتها زينب، (كما اعتقدت حينها)، لكنها لم تُسلّم لعائلتها إلا في 17 أيلول/ سبتمبر 2011، وكانت مشوهة للغاية.

قبل ذلك اليوم بشهر بالتمام، خرجت زينب من منزل أختها في حي كرم الزيتون في حمص، لإحضار الدواء لوالدتها، وبمجرد خروجها تم اعتقالها من عناصر تابعين لفرع الأمن العسكري في حمص، على خلفية تنظيم أخيها محمد المظاهرات ضد نظام الأسد في حي باب السباع.

وقالت زينب: “استمر اعتقالي لدى فرع الأمن العسكري حوالى الشهر، تعرضت خلاله للضرب الشديد من المحققين، للإدلاء بمعلومات عن إخوتي المطلوبين للأجهزة الأمنية، ضُرِبتُ بكابلات الكهرباء، والعصي والأرجل، وتعرضت للتهديد بالاغتصاب في حال لم أدل بالمعلومات التي يريدونها”.

قبل اللقاء التلفزيوني

نُقلت زينب -بعد نحو شهر من اعتقالها- إلى دمشق، إلى إدارة أمن الدولة (المخابرات العامة)، وكانت تجهل ما الذي حدث بعد اعتقالها.

في زنزانتها بدمشق، التقت زينب بالناشطة رويدة كنعان من مدينة الزبداني، والتي كانت تعلم قصتها، وأخبرتها بها، وتقول زينب: “أخبرتني رويدة كنعان أننا موجودون في إدارة أمن الدولة، وحدثتني عن مقتل أخي محمد تحت التعذيب، وأنه سلمت جثة فتاة لأهلي على أنها أنا، وقد قطعت وتم تشويهها”.

لم تتعرض زينب في المخابرات العامة للتعذيب، كانت هناك ضغوط نفسية وتهديدات من أجل أن تخرج على تلفزيون النظام، لتقول كلامًا سيتم تلقينه لها.

تم جُلبت أختها الكبرى، واثنان من أخوالها، إلى الفرع لإقناعها بما يجب عليها أن تفعله، ثم استُدعيت إلى مكتب اللواء علي مملوك، الذي التقاها وعرّفها بنفسه، وطلب منها الظهور على شاشة التلفزيون السوري وتلفزيون الدنيا، للحديث عن أن ما يجري هو عمل عصابات إرهابية مسلحة، تقوم بقتل الناس.

لقاء تلفزيوني صادم

تقول زينب: “تم تلقيني ما سأقوله في اللقاء من العميد أحمد ديب، الذي عرّفني بنفسه، والذي أشرف بنفسه على إجراء المقابلة”.

أجرت زينب المقابلة في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، في مكتب اللواء علي مملوك، بعد أن قام بتهديدها بأنه في حال لم تتجاوب ستتعرض لتعذيب أكثر مما لاقته في الأمن العسكري في حمص، وفق قولها.

تم بُث اللقاء، والذي أحاطت به شكوك كثيرة آنذاك، وقالت فيه زينب: إنها هربت من منزل أهلها، ولم تكن معتقلة أصلًا، وأنها لا تريد العودة إلى منزل أهلها، ثم نُقلت -في اليوم التالي- لإجراء لقاء تلفزيوني، إلى ملجأ للأيتام في منطقة البرامكة بدمشق، وبقيت فيه مدة شهر.

ما بعد الإفراج

أُطلق سراحها بعد شهر، قضته في ملجأ الأيتام، دون أن تُوجّه لها أي تهمة، ودون المثول أمام القضاء، وكانت حيلة من أجهزة النظام؛ لتكذيب ادعاءات المعارضة بأنه يقوم بجرائم في السجون.

عادت زينب إلى حمص، إلى حي باب السباع، حيث منزل أهلها، لكن لم تجد أحدًا منهم، كانوا قد غادروا إلى مكان لم تعلمه، لا هي ولا أهل الحي، فذهبت إلى أقاربها وخالتها، لكن أحدًا لم يستقبلها، اتهموها بأمور تتعلق بالشرف تعرضت لها أثناء الاعتقال.

اضطرت زينب للعودة إلى دمشق، ولم تكن تعرف أحدًا هناك، والتقت بشاب من محافظة درعا، تعرّف إليها بعد أن كان شاهدها في اللقاء التلفزيوني، وعرض عليها الزواج، وتزوجا فعلًا، وأقاما في منطقة السبينة في دمشق.

محاولة قتل ثم هروب

اتصلت زينب بأختها، لتخبرها عن زواجها ومكان إقامتها، كانت تعلم أن أحد إخوتها يريد التخلص منها، لاعتقاده أنها عار على العائلة، وبعد تلك المكالمة بنحو شهر، جاء شابان إلى مكان سكن زينب وزوجها، وحاولا قتلها، ولكن وجود زوجها حال دون ذلك، حيث تلقّى طعنة سكين في ظهره، تسببت له بأذى كبير يعيقه اليوم من ممارسة أي عمل يتطلب بذل جهد كبير.

وجدت زينب وزوجها بعد تلك الحادثة أنهما لم يعودا بمأمن، ولم يكن أمامهما من خيار سوى مغادرة البلد واللجوء إلى إحدى دول الجوار، وفي 23 كانون الثاني/ يناير 2013، غادرت وزوجها إلى الأردن، وهناك بدأت حياتهما من جديد، بعد أن رزقوا بطفلهم الأول، وقالت: “كانت ولادة عدي سببًا بتغيير مجرى حياتنا بشكل كامل”.

جريمة تعددت أطرافها

قُدِّر لزينب أن تعيش مرتين، الأولى بعد خروجها إلى قيد الحياة من سجون نظام الأسد، والثانية بعد أن فشلت محاولة قتلها في دمشق.

لم يتورع النظام عن قتل المعتقلات في السجون تحت التعذيب، كما حدث مع الشهيدة رحاب علاوي، ومن ناحية ثانية، هناك شريحة من المجتمع لا تقل قسوة، وربما إجرامًا، عن النظام، عندما تحاول قتل فتاة أو سيدة بعد اعتقالها، كردة فعل منها بداعي الشرف، على الرغم من أن هذه الشريحة تعلم أن لا ذنب للمعتقلة في ما تعرضت له من اعتقال يحدث قسرًا.

تبقى جريمة قتل فتاة مجهولة، وتشويهها (وهي ليست زينب الحصني) شاهد، مع غيرها، على جرائم النظام السوري بحق المعتقلين في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة له.

حتى اليوم، تبقى المعتقلات ضحية نظام دموي من جهة، وضحية مجتمع يتعامل بردة فعل قاسية من جهة أخرى، فالعديد من الفتيات والسيدات، ممن تعرضن للاعتقال، واجهتهن ردود فعل عنيفة من المجتمع، تمثلت في طرد بعض منهن، أو طلاق أخريات.

تعيش زينب اليوم مع عائلتها، مُحاولة تناسي تلك التجربة المؤلمة التي مرت بها، والتي كانت فيها ضحية لعدة أطراف، وتتطلع إلى حياة أفضل، ربما في دولة أوربية إذا تمكنت من ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق