قضايا المجتمع

الأيديولوجيا إذ تجهض الحوار المثمر

ربما يكمن الجذر وراء الانفصال الذي لم تُجدِ محاولات جسره بين الفكر الإسلامي، والتيارات الفكرية الأخرى في عالمنا العربي، في سيطرة ما يسمّى بـ “الوعي بالمماثلة”، الذي يعمد فيه الباحث إلى تقليب المفاهيم على وجوهها، ضمن حقل دلاليّ واحد، والحفر -عميقًا- في مستوياتها؛ بغية الوصول إلى عمقها، وإدراك أقصى وعي بها.

وهو ما سبّب قصورًا في وعي الحقل الدلالي للمفاهيم المغايرة، الذي يحققه النوع الثاني من الوعي، وهو “الوعي بـ المغايرة” الذي يحاول فهم الشيء ومغايره، ولا يتحقق له ذلك، إلا بعد وصوله الغاية القصوى في فهم الأول؛ حتى يمكن له الإمساك بتلابيب الثاني، وتحقيق أقصى وعي بالمتغايرين.

إن الوعي بالمغايرة يفوق الوعي بالمماثلة الذي يكتفي بالنظر في معاني المفهوم نفسه، وتقليبه لإدراك مراتبه المتفاوتة، وهو وعي يوفر له الاجتهاد سبل التحقق أكثر مما يوفره مفهوم التأمل، وإعادة النظر في الشيء منفردًا الذي كرّسته الفلسفة الغربية، والذي عدّه المثقفون العرب مفهومًا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.

خطاب راشد الغنوشي الجديد-مثلًا- تعبير عن استفراغ الجهد؛ لتحصيل المعنى، والذي هو الاجتهاد عينه، من أجل ربط المقصد الإلهي بالمصلحة البشرية، وهو الذي مكّنه من التفوق على غيره، ممن لم يتمثّلوا هذا المفهوم، ولم يعيروه اهتمامًا، من السياسيين العرب المستغربين فحسب؛ لأنه مفهوم تراثي قاصر في نظرهم؛ بسبب عدم عثورهم عليه في ثقافتهم الغربية. وإذا كانت تجربتا الإسلاميين، في تركيا وتونس، قد أثبتتا نجاحًا لافتًا، وقدّمتا خطابًا متميزًا، فإن للظاهرتين علاقة أكيدة بعزوف القياديين في التجربتين عن موضة الانفصال عن الموروث؛ استجابة لعقدة النقص تجاه التيارات الوافدة، وإن فيهما إثباتًا لحقيقة أن إمكانيات استثمار المفاهيم التراثية أكثر جدوى، في العمل السياسي، من الضرب صفحًا عنها؛ لأنها الأمسّ رحمًا بالواقع المراد الاشتغال عليه، عبر فهمه وتطويره.

إن تعميق الوعي بالمفاهيم وأضدادها قد أسيء استخدامه من اليسار العربي، الذي قدّمت له المادية الجدلية أدواته؛ بما استنّته من ضرورة النظر إلى الضدّ، والارتقاء به، وبضدّه، إلى وحدة تركيبية أعلى، وكانت إساءة الاستخدام هذه؛ بسبب تحويل هذه الأدوات من وعي المغايرة، إلى وسائل للتعبئة النضالية، بدل أن تكون وسائل لفهم الواقع، بكل أبعاده، والوصول بالوعي به إلى أقصى مداه.

كان جديرًا بالماركسيين العرب أن يقدّموا الخطاب المتقدم بما امتلكوه من أدوات الجدلية تلك، لو لم تستغرقهم النضالية السياسية، من جهة، ولم يغب عنهم أن استثمارها في واقع مغاير يقتضي تكييفها لشروطه، من جهة أخرى.

إن ضبط وإدراك مفاهيم الحقل الدلالي للدولة، وفي الوقت نفسه، ضبط وإدراك مفاهيم الحقل الدلالي للدين، وسيلتان لا بد منهما؛ للتقريب بين التيارات الإسلامية، والتيارات الفكرية الأخرى؛ لأن بؤرة الخلاف بينها قد تركزت على جدل العلاقة بين الدولة والدين.

ربما يكمن الجذر الثاني للإخفاق في ردم الهوة بين الإسلاميين، وغيرهم، في اعتماد نوع “الاستدلال البرهاني” الذي يستفرغ الجهد في إثبات المقدمات النظرية إثباتًا فلسفيًا، وهو ما يمكن الاستبدال به “الاستدلال الحواري”؛ بمعنى اعتماد الحوار بين المتناظرين؛ للوصول إلى ما ينفعهم، وذلك بالانطلاق من مقدّمات يتَّفقون عليها، بغضّ النَّظر عن كونها يقينيَّة أو ظنيَّة في ذاتها من منظور مجرَّد، وإنَّما من منطلق مدى نفعها، وهو ما يضفي على الأشياء المتَّفق عليها قيمًا صادرة عن وجدان وعقل جمعيين، أيّ: إنها قيم لا تقوم بالأشياء كخصائصها، وإنَّما تُضفى عليها من الذَّوات المستعملة لها، كما تلزمهم بالعمل بها؛ لما يجدون فيها من نفع لمعاشهم وازدهار مجتمعاتهم.

من المهم الإشارة إلى أن المقدمات الجدلية، التي يجهد كل طرف في واقعنا (عبثًا) في إثباتها إثباتًا قطعيًا، ليست مقصورة على أصحاب المنظومات الدينية، فكما أن وجود الإله والعرش والجنة والنار قضايا ميتافيزيقية، فإن أولوية المادة، وتبعية الفكر لها، لدى الماركسيين، ليستا أقل ميتافيزيقيةً من الأولى.

تضيف المرجعية القومية إلى البعد الميتافيزيقي الجدلي بُعدًا طوباويًا، عند الحديث عن روح الأمة الخالدة التي تتجلى عبر العصور المتعاقبة، ونعلم ما جلبه الركون إلى هذا الوهم من كوارث.

لم يستمرئ المستبد الظلم لولا تخندقنا وانفصالنا، ولم تتسلّل أفعى التطرف إلى حياتنا لولا هذا التخندق والانفصال، ومأساة وطننا الكبرى تفرض علينا واجبًا أخلاقيًا، وإنسانيًا، ووطنيًا أن نلتقي على غايات واحدة، ونجترح السبل الكفيلة بتحقيقها.

نحن لا نشك في أن ما تنطوي عليه مقاصد التشريع، وما تصبو التيارات الأخرى، “العَلمانية” وغيرها، إلى تجسيده من قيم، كفيلان بتحقيق التقارب، إذا نفضنا عن عقولنا رواسب الأيديولوجيا، وشحذنا أدواتنا وجلونا عنها الصدأ، وعقدنا العزم على اللقاء؛ لأنه لم يعد ثمة رفاهية في الوقت، وفي الاستمتاع بجدالات عقيمة؛ فالتهديد اليوم تهديد وجوديّ، يُنذر بالقضاء على حاضرنا ومستقبلنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق