سورية الآن

28 أيلول/ سبتمبر… يوم العرب

عترف أنني في حيرة حقيقية هذا اليوم، 28 أيلول “سبتمبر”، لا أعرف من أين أبدأ في معالجة الأحداث التي حفرت أخاديدها عميقًا في حياتنا نحن العرب، والتي سطرّت في سجل ذلك اليوم الحزين.

 

قبل أكثر من نصف قرن تقريبًا، وفي صبيحة يوم 28 أيلول/ سبتمبر 1961، استفاق العرب الذين كانوا ينامون ويستيقظون على حلم أن تمتد حدود دولة “الجمهورية العربية المتحدة” التي كانت تضم الإقليم الشمالي (سورية)، والإقليم الجنوبي (مصر)؛ لتشمل وطن العرب وأمة العرب بين المحيط والخليج، استفاقوا على نعيق الغربان، من راديو دمشق، بفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة، فانكسر الحلم.

 

بعد ذلك بسنوات تسع، وفي عشية يوم 28 أيلول/ سبتمبر 1970، صُدم العرب، من المحيط إلى الخليج، بنعيق غراب آخر من الإقليم الجنوبي، هذه المرة، لقد غاب، قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر، فانكسر ما كان قد بقي من الحلم العربي، بحيث يمكن التأريخ بذلك اليوم كبداية انحسار مشروع النهوض والتنوير والتحرير القومي العربي، وصعود خط الفتن، والفرقة، والمذهبية، والإقليمية، والتبعية للخارج…

 

في ذلك اليوم، أيضًا عام 1971، ودون أن ينعق الغراب بذلك علنًا، بدأ الإجهاز على ما تبقى من الجمهورية العربية المتحدة، التي كان جمال عبد الناصر قد أصّر على أن تبقى مجسدّة، علمًا ونشيدًا واسمًا، في “الإقليم الجنوبي”، وأهم من ذلك قرر ناصر الإبقاء عليها كصرح، كقاعدة، كموقف، بأن الانفصال الذي حدث في الإقليم الشمالي مؤقت، وأن المسيرة العربية إلى الجمهورية العربية المتحدة، الشاملة وطن وشعب الأمة العربية لن تتوقف، وبالتالي فإن 28 أيلول/ سبتمبر بذلك لم يعد يوم انفصال الإقليم الشمالي، وحسب، وإنما بتغييب جمال عبد الناصر أضيف إليه، انفصال جديد، أنه يوم انفصال الإقليم الجنوبي عن الجمهورية العربية المتحدة.

 

في ذلك اليوم، أيضًا تم الإجهاز على المقاومة العربية في عمّان، بعد أن غاب جمال عبد الناصر الذي كان يلملم جراحها وخطاياها، ومن ثم تم حصارها نهائيًا وإبعادها عن نهر الأردن منفذها إلى قلب فلسطين، وبالتالي تم دفعها إلى الأقلمة؛ لتكون ضمن مشروع النظام الإقليمي، فتدخل بورصة الصفقات والمساومات…

 

هكذا، فإننا نشأنا على الخوف عندما يقترب هذا اليوم، 28 أيلول/ سبتمبر، ليس من ذكرى ما حدث فيه، وإنما تحسبًا مما يمكن أن يحدث فيه، لهذا، فإنني في مثل هذا اليوم ألجأ إلى ركن آمن يتيح إليّ شيئًا من الطمأنينة، والبحث في إمكانية الانتقال من البكاء على الأطلال، إلى مرحلة التأسيس لانطلاقة عربية جديدة، باتجاه مصير عربي مختلف، نضعها بتصرف الجيل العربي الجديد.

 

لهذا أيضًا، فإنني أرى أن السبيل الوحيد للانعتاق من أحزان 28 أيلول/ سبتمبر، وتداعياته، يكمن في البحث عن مخرج من المحنة العربية الراهنة إلى أفق عربي جديد، تلك المحنة التي آن لها أن تمضي، لكنها، وبعد التجارب المرة، بات من الثابت أنها لن تمضي إلا بنضال دؤوب، ممنهج، جاد كامل الأوصاف، وبما أننا كجيل بتنا على عتبات المغادرة، فإن مسؤولية ذلك تقع على عاتق الجيل العربي الجديد، وأقصى ما يمكن أن يقدمه جيلنا إليهم، يتمثل بعدم زجهم في صراعاتنا العبثية من جهة، وبتقديم خلاصة تجاربنا المرة إليهم، من جهة أخرى؛ لهذا فإن حديثي موجه إليهم حصرًا، في هذا اليوم، فهم ملجئي الأخير، وسأترك البكائيات لغيري.

 

لقد أدى انفصال الإقليم الشمالي إلى تغّول النظم الإقليمية الاستبدادية وتشظي البنى السياسية للأمة التي تفتتت تحت ضربات الاستبداد والنظام الدولي المشوه خلال القرن المنصرم، وشهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين بخاصة مجتمعًا عربيًا تفككت قواه السياسية الحية وغدا عاريًا أعزل من قوى المقاومة والدفاع.

 

على صعيد الحركات القومية: لقد أصاب الحركات القومية ما أصاب البنى السياسية عمومًا، ونتيجة ضعف البنى الفكرية لتلك الحركات، ونتيجة ضعف بناها التنظيمية، فإن الحركات (والأحزاب) تاهت على الطريق إلى الوحدة العربية أحيانًا أو تحولت إلى قوى تستخدمها دول النظام الإقليمي أحيانًا أخرى، وذلك بسبب الخطأ الفادح الذي وقعت فيه عندما لم تدرك مغزى النظام الإقليمي في الوطن العربي، فتصور بعضهم أن مجرد السيطرة على الدولة الإقليمية يكفي لإضفاء صفة القومية عليها، وتصور بعضهم الآخر أن أجهزة الدولة الإقليمية قادرة بالتوجيه القومي على تحقيق الأهداف القومية، واكتشف هؤلاء وأولئك بعد فوات الأوان أن الدولة الإقليمية ابتلعتهم وابتلعت أحلامهم واستخدمتهم في مشروعاتها التفتيتية، عوضًا من أن يستخدموها في مشروعاتهم القومية.

 

إن الأحزاب والمؤسسات القومية التي بدأت إرهاصاتها مع بداية القرن العشرين، واكتملت تنظيماتها مع منتصفه، واعتلت سلطات النظام الإقليمي في بعض المواقع، اندثرت مع نهاية القرن، ولم يبق منها إلا الأشلاء.. لكنها تركت تراثًا خصيبًا، وتجربة فذة، لا بد من الانكباب على دراستها بعناية فائقة؛ لتجنيب الأجيال العربية المقبلة الأخطاء والخطايا والانحرافات.

 

صحيح أن هذه الأرض العربية تتعرض للكثير من التغريب والتخريب والعدوان، لكن بفعل عمق الصراع على هذه الأرض العربية، فإن تجربة بالغة الثراء قد حدثت، وجاءت أحداث القرن لتضع حدًا لكثير من الصراعات الفكرية، وتفتح ساحات أخرى للحوار والصراع وترشح هذه الأمة مرة أخرى؛ لتنتج رسالة خلاص معاصرة للبشرية.

 

إذا كانت هذه الأمة تعتصم هذه الأيام بسجيتها لدفع موجات التخريب والتغريب. فإن هذا، في الوقت ذاته، تعبير حي عن استعداد لاستقبال رسالة التغيير بعد قرن من التفتيش في العصور المنصرمة، وبعد قرن من التدقيق في الترجمات الكثيفة لكل ما أنتجته البشرية. فالأمة تدرك والأعداء يدركون أيضًا، إن التغيير هنا في وطن العرب عندما تدق ساعته فإن قوة في هذه الأرض لن تمنع صداه من أن يتردد في مغارب الأرض ومشارقها.

 

على صعيد إعادة بناء القوى السياسية: إن القوى السياسية التي دمرها النظام الإقليمي في الوطن العربي أو تلك التي وهنت لأسباب تتعلق ببنيتها الفكرية والتنظيمية لم تعد صالحة بعد كل هذه التطورات التي شملت العالم وتجاوزت بناها الفكرية والتنظيمية.

 

إننا ندعو القوى والأحزاب السياسية كافة، أو ما تبقى منها إلى المراجعة الشاملة لأفكارها وأساليبها، وأن تستجيب لحاجة إعادة بناء هيكلية وتنظيمية وفكرية، تنسجم مع الحقائق التي أفرزتها التجربة المرة للقرن العشرين، وأهم هذه الحقائق الاعتراف بالوجود القومي للأمة العربية ولو كانت هذه القوى والأحزاب غير قومية من الناحية العقائدية والأيديولوجية فانطلاق هذه القوى من الوجود القومي للأمة، وعدّ ساحة الأمة هي ساحة عملها معيارًا لمدى تخلصها من الانخراط في مشروعات التفتيت والتقسيم.

لتتعدد المنابر والآراء والقوى، وليعلن كل فريق ماذا يريد للأمة العربية، وليفتح باب الجدل الاجتماعي واسعًا، وليحتكم الجميع في النهاية لإرادة الأمة، وليلتزم الجميع بعقد اجتماعي مؤداه أن تحقيق ما يريده كل فريق للأمة العربية مرهون بمقدرة القوى الحية، وتحالفها في معركة تحرير الأمة من العدوان المتعدد الأشكال والجنسيات، ثم وبعد التحرير والتوحيد، ليدع كل فريق إلى برنامجه وعلى ماذا يتفق أو يختلف مع الآخرين.

 

على صعيد بناء التنظيم القومي: فلقد استنفد القوميون العرب خلال القرن العشرين مراحل التجريب لبناء التنظيم القومي. وتأكد للجميع أن الفشل الذي أصاب هذه التجارب لم يتأت من كون هذه التجارب قومية، ولكن من كونها لم تكن قومية كما يجب والقوى الغربية القومية مطالبة بأن تكون العصب والعمود الفقري لتحالف عريض يضم كل القوى الحية في الأمة التي ترفض واقع التبعية والتفتيت أيًا كانت الأفكار التي تدعو إليها، ذلك أن معركة تحرير الأمة مفتوحة، وكل عربي له مكانه وموقعه الذي ينتظره في خندق المعركة، ولكل عربي بعد ذلك حق الاختلاف في رؤى البنيان الوطني.

 

إن الحركة القومية العربية تستهدف تحرير الأرض العربية، كل الأرض العربية، وتوحيدها، ورفع الظلم والهيمنة عنها، وفتح مجالات استثمار الثروات العربية، وحل المشكلات التي يعانيها المجتمع العربي، ذلك أن هذه المشكلات هي مشكلات قومية ولا تحل إلا في إطارها القومي، وإخضاع الثروات والبشر لتخطيط شامل يردم الهوة التي حدثت بين الأمة والتقدم العلمي، وتسترد الأمة علماءها وباحثيها الذين لا يجدون مجالًا لأبحاثهم على أرض أمتهم في ظل الأوضاع الشائهة الراهنة، وتسترد الأمة أبناءها، أبناء شهداء التحرير والمقاومة الذين طاردهم النظام الإقليمي فألقوا بأنفسهم في قوارب تهيم بهم في البحار؛ حتى إذا وصلوا، عملوا على تنظيف شوارع المستعمرين الذين طردهم آباؤهم وأجدادهم، أو تحملوا مذلة الاصطفاف أمام سفارات دول الهيمنة يستجدون “سمة دخول”.

 

إن للأمة حقًا، كما أن لكل الشعوب المنهوبة ثرواتها، حقًا في الثورة العلمية التي حصلت إن كان على صعيد العلوم التي نشرها العرب أيام نهضتهم، أو على صعيد مشاركة العلماء العرب في النهضة العلمية التي يدعيها الغرب لنفسه هذه الأيام، أو على صعيد الإمكانيات والثروات التي ينهبها الغرب من بلاد العالم، ومنها بلادنا.

 

إن هناك عهودًا من السيطرة الأجنبية والتخلف فرضت على الأمة وأدت إلى تشويه في توزيع السكان بين المحيط والخليج. ولا بد للحركة القومية من ثم أن تعيد رسم خريطة الأمة بشريًا واقتصاديًا. وسيتاح للشعب العربي أن يعيد وصل ما انقطع من صلات وتفاعل. وستستعيد جوامعنا وكنائسنا دورها الإشعاعي والمركزي. وستستعيد الأمة ما تتمكن من استعادته من ثروتها المنهوبة وآثارها المنهوبة، وأهم من هذا وذلك، ستستعيد دورها المسروق منها هذه الأيام، هذا الدور الذي أثبتت التجارب الحية أنه لها، وأن عليها ألا تتخلى عنه مرة أخرى، حتى للذين يدعون أنهم يحملون أفكارها وديانتها.

 

إن هناك خلطًا مقصودًا بين مفهوم الدولة القومية والدول الإقليمية التي حكمها قوميون أحيانًا.. والفرق بيّن وشاسع بين النموذجين، فالقوميون الذين حكموا الدولة الإقليمية لم يحولوها إلى دولة قومية للأمة، بل العكس، فإن تلك الدولة الإقليمية طوعت القوميين أحيانًا، وخذلتهم في معاركهم القومية أحيانًا أخرى، وأكلت أحلامهم القومية في الأحوال كلها.

 

الدولة القومية التي يتطلع القوميون لبنائها هي الدولة التي تتطابق حدودها مع حدود الوطن والأمة. وبالتالي تمتلك الأركان المشروعة للدولة وهي: الوطن: الوطن العربي. الشعب: الأمة العربية. السلطة: وهي السلطة المشروعة. وإذا كانت الحركة القومية هي التي ستنجز عمليات التحرير والتوحيد، ومن ثم الوصول إلى دولة العرب القومية، فإن هذا لا يعطي القوميين أي حق في احتكار حكم الدولة القومية. ذلك أن مقدرة القوميين على التحرير والتوحيد لا تعطيهم الحق في الانفراد بالإدارة والحكم حيث المهام مختلفة والمقدرات المطلوبة لذلك مختلفة أيضًا. إن إدارة مؤسسات الدولة القومية ستكون متاحة للقادرين الذين سيختارهم الشعب العربي، أما كيف يتم هذا الاختيار، وكيف سيتم تداول السلطات فهذا سيتم في حينه استناداً لمبدأ المساواة الموضوعية وليس الشكلية لكل مواطني الدولة القومية.

 

هكذا حاولنا الهروب من المحن والمآسي الراهنة إلى الحلم الذي اغتاله الانفصال في مثل هذا اليوم الحزين منذ 55 عامًا. إن بذرة المحنة الراهنة التي تمر بها سورية اليوم تم غرسها منذ ذلك اليوم الحزين لتحويل سورية من قلب العروبة النابض إلى كونتونات مدمرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق