مقالات الرأي

عودة الاغتيالات وإعادة توجيه السياسة

أثارت حادثة اغتيال الكاتب الأردني المثير للجدل، ناهض حتّر، سيلًا جارفًا من ردود الفعل، بين مؤيد للاغتيال؛ بحجة أنه معروف بتأييده المطلق لنظام بشار الأسد، واستخفافه بدماء السوريين، إضافة إلى انتقاده لوجود الفلسطينيين الأردنيين في الأردن؛ لأن “الأردن وطن البدو والمسيحيين”، على حد تعبيره، مثلما أنه معروف بانتقاداته للنظام الملكي الأردني بشكل علني، كما وصلت لائحة التهم إلى عدد يثير الفضول؛ فالرجل أيضًا علماني، وينشر “رسومًا مسيئة للذات الإلهية”، و”لا يحترم وطنه”… أما المعترضون على الاغتيال، فيقولون: إنه نوع من “البلطجة” الرخيصة، قام بها المحسوبون على التيار الإسلامي، متخذين من “الرسوم المسيئة” حجة؛ لكي يُنفّذوا الاغتيال ضد شخص يقول عنه أصدقاؤه أنه “ممانع منذ زمن العمالقة”، وأنه “مسيحي الديانة إسلامي الثقافة”، وأنه “عاشق لوطنه”، وأنه ينتقد ظلامية المتطرفين والدواعشة، وليس الدين الإسلامي ذاته، وأنه يساري علماني عاش فقيرًا في “الأحياء الشعبية”؛ لأنه لا يعرف النفاق ولا “السير في جوقة المُطبلين”، أما هدفه الكبير، فكان “دولة القانون” لا شريعة الغاب التي يدعو لها الذين استطالت لحاهم.

لا نريد في هذا المقال التوقف عند حادثة الاغتيال -هذه- بحد ذاتها، بقدر ما نريد أن نتخذها نقطة انطلاق؛ للتأمل في الاغتيالات التي حدثت -وتحدث- في العالم العربي على يد أنصار تيار الإسلام السياسي، منذ سبعينيات القرن المنصرم؛ وحتى اليوم، وذلك؛ لتحديد الهدف البعيد لمثل هذه الاغتيالات؟ ومن المستفيد منها في النهاية؟ وهل هي اغتيالات دينية، أم سياسية في المحصلة الأخيرة؟ وما السياق الذي تظهر فيه مثل تلك الاغتيالات؟ وكيف تؤثر في السياسة؟ ولا سيما أن هناك نقطة ملفتة للنظر، تتمثل في أن أغلبية تلك اغتيالات حدثت في دول عربية “علمانية”، ذات قبضة أمنية شديدة؛ الأمر الذي يثير تساؤلات عديدة حول تلك الاغتيالات.

لقد شكّلت الاغتيالات التي نالت من مثقفين ومفكرين وأدباء وسياسيين وعلماء، على يد تيار الإسلامي السياسي، جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية العربية الحديثة، ومنها محاولة اغتيال نجيب محفوظ 1994، واغتيال فرج فودة 1992، في مصر، واغتيال حسين مروة ومهدي عامل وزملائهم 1987 في لبنان، واغتيال السياسي والمثقف اليمني، جار الله عمر، (أهم معارض لعلي عبد الله صالح آنذاك) عام 2002، على يد شاب “متطرف” في أثناء مهرجان خطابي، واغتيال الدكتور محمد فاضل، رئيس جامعة دمشق عام 1977، واغتيال المذيع محمد حوراني في عام 1982، (الذي قال يومًا: إن تشفيطة ابن مسؤول في شارع الحمرا بدمشق تثير الرهبة في نفوس السوريين أكثر مما تثيرها الجبهة الوطنية التقدمية)، واغتيال ناجي أسعد الصحافي السوري في جريدة تشرين الرسمية عام 2012، (قال النظام: إن مجموعة إرهابية اغتالته أمام منزله بدمشق)، واغتيال محمد سعيد رمضان البوطي 2013، في الجامع الذي يخطب فيه في دمشق (قال النظام إنه اغتيل على يد “أصحاب الفكر الظلامي” على عكس ما وضَّح فيديو الاغتيال)، كما اغتيل الشيخ معشوق الخزنوي في دمشق، واغتيل الشيخ وحيد البلعوس في السويداء، واغتيل عدد من مسؤولي الصف الأول من “خلية الأزمة”، والطرف الذي ينفذ معروف دائمًا، وهو “الجماعات الإرهابية”، فضلًا عن اغتيال شكري بلعيد في تونس 2013، من قبل “متطرف” اعترف بقتله، وتعرّض عدد من المثقفين الجزائيين لاغتيالات ومحاولات اغتيال عديدة، ومنها محاولة اغتيال الروائي الجزائري أمين الزاوي في وهران عام 1992.

يضاف إلى ذلك الفتاوى التي تُكفِّر وتهدر دم عدد كبير من المثقفين، والتي نالت من: المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، والأديب اليمني عبد العزيز المقالح (صاحب الرقم القياسي في فتاوى التكفير)، والكاتبة المصرية نوال السعداوي، والشاعر اليمني عبد الكريم الرازحي، والكاتبة اليمنية والقيادية في “الثورة الشبابية اليمنية” بشرى المقطري، والأديب الجزائري كمال داود، والأديب السوري حيدر حيدر، والشاعر المصري حلمي سالم. كما نالت فتاوى التكفير وهدر الدم من شخصيات، مثل أحمد زويل، من الداعية وجدي غنيم، وتكفير الدكتور محمد البرادعي 2010 (الشيخ الذي أصدر فتوى تكفيره هو نفسه الذي أصدر فتوى بجواز توريث الحكم إلى نجل حسني مبارك)، فضلًا عن الفتوى المشهورة بإهدار دم الكاتب البريطاني الجنسية، سلمان رشدي، من الخميني، إثر اصداره رواية “آيات شيطانية”.

أما آخر تلك الاغتيالات وتهم التكفير وازدراء الأديان، فكانت تكفير الباحث المصري إسلام البحيري، ودخوله السجن منذ أشهر، ومحاولة اغتيال الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق، قبل شهرين، واغتيال ناهض حتّر في الأردن الأسبوع الماضي، ولن نستمر في ذكر هؤلاء؛ لأن القائمة ستطول، ولا سيما أن “داعش” أصدر بيانات بتكفير وارتداد عدد كبير من السوريين والعراقيين وجنسيات أخرى، ولكن حسبنا القول: إن مكانة المغتالِين والمتهمين بالتكفير تنوعت؛ لتشمل مفكرين معروفين، وأصحاب مشروعات سياسية وطنية تنويرية، ومثقفي بلاط، ومعارضين للأنظمة العربية، ورجال دين مرتبطين بالسلطات المحلية، ورجال دين معارضين، ودعاة للنظام المدني العلماني، وإعلاميين ومثقفين مستقلين، وصولًا إلى عدد من الفنانين.
على الرغم من أن سياسة الاغتيالات هي الأسلوب المفضل لدى طغاة المنطقة عمومًا، ولا سيما حافظ الأسد وصدام حسين وجمال عبد الناصر والخميني وغيرهم، بقصد تصفية الخصوم السياسيين، وتخويف المجتمع من بطشهم؛ لكي يستكين الأمر لهم، إلا أن الاغتيالات التي قام بها تيار الإسلام السياسي، الطامح إلى السلطة في العالم العربي منذ سبعينيات القرن العشرين، تحمل أكثر من علامة استفهام: الأولى، أن اغتيال شخصيات من قبيل ناهض حتّر ونجيب محفوظ ومحمد فاضل ومحمد سعيد رمضان البوطي وناجي أسعد، أمر لا يمكن فهمه؛ لأن هؤلاء ليسوا أصحاب سلطة، ولا يمكن أن ينافسوا الإسلام السياسي على السلطة، ولا يُشكّلون أي خطر حقيقي عليه، ذلك أن اغتيال مثل تلك الشخصيات لا يُقدّم أي مكاسب حقيقية للحركات الإسلامية، بل العكس، يُسهّل الربط بين تلك الحركات وتهمة “الإرهاب” أولًا، ويباعد بينها وبين الشارع ثانيًا، وإذا ما اعترض أحدهم على ذلك بالقول: إن هؤلاء حلفاء للأنظمة التي يسعى الإسلام السياسي لانتزاع السلطة منها، فإن هذا الاعتراض ليس بذي قيمة؛ لأن هؤلاء ليسوا شركاء مع الأنظمة في الحكم؛ لأن الأنظمة لا ترى فيهم سوى تابعين لها، ليس لهم أي قيمة سياسية أو سلطة، إلا في حدود الخدمات التي يقدمونها للأنظمة.

أما علامة الاستفهام الثانية، فهي أنها اغتيالات كانت تتم في أماكن تسيطر عليها الأجهزة الأمنية المحلية سيطرة مطلقة، ولا سيما في العواصم، وما بات يُعرف بالمربعات الأمنية للمدن. فمحاولة اغتيال مفتي مصر الأسبق، تمت في الجامع الذي يصلي فيه في العاصمة المصرية، واغتيال الدكتور محمد فاضل تم داخل الحرم الجامعي لجامعة دمشق، واغتيال البوطي تم في منطقة المرجة وسط دمشق، والمثير للاهتمام أن جميع هذه الجرائم التي ذكرناها هنا، وعلى الرغم من وقوعها في أماكن حساسة، إلا أنها قُيدّت ضد مجهول، ولم يُعتقل أي شخص من القتلة، يُضاف إلى ذلك، أن هناك ملاحظة تعزز علامة الاستفهام التي نتحدث عنها، وتقول هذه الملاحظة: إن الاغتيالات تكثر في البلدان العربية ذات القبضة الأمنية القوية أكثر من البلدان الأخرى، وهذه أيضًا مفارقة، لا بد من التنبه لها.

أما علامة الاستفهام الثالثة؛ فهي أنها اغتيالات، كثيرًا ما طالت معارضين شرسين للسلطات المحلية؛ ما يعني أن هؤلاء -في عُرف السياسة- يمكن أن يكونوا حلفاء موقتين لتيار الإسلام السياسي، كون العدو واحدًا؛ ففرج فودة كان من المعارضين لنظام حسني مبارك، وسُجن أيام عبد الناصر، ورفضت لجنة شؤون الأحزاب في مجلس الشعب المصري السماح له بتأسيس حزب “المستقبل” عام 1987، مرتين، وكان يؤمن بالديمقراطية كوسيلة يجب أن تتاح للجميع، بمن فيهم الإسلام السياسي، على الرغم من تبنيه للعلمانية والدولة المدنية، كما اتهم فودة النظام المصري بتزوير انتخابات 1987؛ لكي يقصيه من مجلس الشعب، أما جار الله عمر فكان كابوسًا حقيقيًا يجثم على صدر علي عبد الله صالح أيام اغتياله، وينطبق هذا الأمر على المذيع السوري محمد حوران الذي لم يكن على مودة حقيقة مع النظام، على كل حال، وهذا الكلام ينطبق على كل من: الشيخ وحيد البلعوس والشيخ معشوق الخزنوي والناشط السوري الكردي مشعل تمو، حتى ناهض حتر، وعلى الرغم من تشبيحه مع بشار الأسد، إلا أنه شكك في شرعية النظام الملكي في الأردن.

وإذا ما توقفنا عند التهم التي غالبًا ما تُوجّه في مثل هذه الحالات، فإنها تتركز -أساسًا- على “الإساءة للذات الإلهية”، و”المساس بالدين”، و”الردة”، والتهمة الأخيرة انتشرت منذ أيام الخليفة أبي بكر الصديق، أما التهمتين الأخريين، فظهرتا في العصرين: الأموي والعباسي، وكان يُطلق عليهما “الزندقة “، واختص بهما آنذاك فقهاء السلاطين، الذين كفروا وزندقوا كل من يقف في وجه السلاطين والحكام في ذلك الوقت، أما اليوم، فإن هذه التهم ليست أكثر من تطوير وتحديث لتهم “النيل من الروح القومية”، و”تهديد الأمن الوطني”، و”النيل من معنويات الأمة”، التي تستخدمها الأنظمة العربية الحديثة منذ عقود عدة، وتُعدّ هذه التهم موضوعًا للتندّر بين الناس. ويمكن أن نشير -هنا- إلى نقطتين: الأولى، أنها تُهم يرفضها كل من توجه له؛ لأنها تعتمد على مغالطات وقياسات فقهية مفبركة، مثلما أن الكيد الشخصي والغيرة وجهل منفذ الاغتيالات تلعب فيها دورًا كبيرًا؛ فالقضية التي رفعت ضد نصر حامد أبو زيد شارك فيها زملاء حاقدون من الجامعة، والشخص الذي حاول اغتيال نجيب محفوظ لم يقرأ له شيئًا.

يُذكر -هنا- بأن الخاسر الأكبر من تلك الاغتيالات هو تيار الإسلام السياسي نفسه، فهو من جهة، يفقد قدرًا من شعبيته، كما أنه يُسهّل توجيه التهم إليه بالعنف العدمي والإرهاب، دون أن يفوت على أحد أنه يعطي لدكتاتوريات المنطقة نقاطًا مجانية؛ لفرض مزيد من الإجراءات الأمنية.

وهنا، لا بد من الإفصاح عن الحقيقة التي لاحت في الأفق، وهي أن الإسلام السياسي –في موضوع الاغتيالات– ليس سوى أداة بيد طغاة المنطقة، من حيث يدري أو لا يدري، تستخدمه الأنظمة، وتسهل أمره متى تشاء، وبالطريقة التي تشاء، وذلك؛ بغية خلط الأوراق داخل الحياة السياسية، وتشويه الوعي السياسي للناس (المتسارع في الصعود هذه الأيام)، بل إن تلك الأنظمة كثيرًا ما تتكفل هي نفسها بتسهيل؛ وحتى تنفيذ، تلك الاغتيالات، كما حصل في اغتيالات محمد سعيد رمضان البوطي، ووحيد بلعوس، ومشعل تمو، ومعشوق الخزنوي وغيرهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق