مقالات الرأي

السوريون ليسوا بحاجة لـ “النصرة” وأمثالها

غريب أو غير مفهوم حقًا تشبّث بعض المعارضة السورية بجبهة “فتح الشام”، أو “النصرة” سابقًا، علمًا أن هذه الجبهة التي تشكّلت أواخر 2011، لم تحسب نفسها -يومًا- على ثورة السوريين، ولم تعترف بأي من كياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، ولم تنخرط في أطرها، فضلًا عن أنها تناهض صراحة المقاصد التي قامت من أجلها، والمتمثلة بإنهاء نظام الاستبداد وإقامة دولة مواطنين، مدنية وديمقراطية؛ إذ لها مشروع أخر ومرجعية أخرى.

أيضًا، يتناسى هؤلاء أن هذه الجبهة فعلت كل ما من شأنه إضعاف فصائل “الجيش الحر”، بل وإزاحتها من المشهد، إلى درجة خوضها معارك مع بعض هذه الفصائل، من دون أن توفر في قتالها حتى الفصائل العسكرية الأخرى المحسوبة على التيار الإسلامي.

الأهم من هذا وذاك، أن بعضهم يحاول أن يبدي تفهّما وتسامحًا مع هذه الجبهة؛ كونها تقاتل النظام، أو أنها من أقوى الفصائل المقاتلة، دون تفحّص الوضع الذي سمح لهذه الجبهة بالصعود، واحتلال المشهد إلى هذه الدرجة، والذي من ضمنه تدفّق الدعم المالي والتسليحي إليها من أطراف خارجية، دونًا عن غيرها، واستجلابها مقاتلين غير سوريين، وصرامتها في التعامل مع الفصائل الأخرى، هذا إضافة إلى انتهاجها استراتيجيات قتالية، تفوق قدرات السوريين، وتكلفهم أثمانا باهظة.

المشكلة أن هذا التسامح يشتمل على تناسي أن هذه الجبهة اضطرّت مئات الناشطين السياسيين لمغادرة المناطق التي تسيطر عليها، والتشرد خارج بلدهم، وأنها أضعفت صدقية الثورة السورية إزاء شعبها، وإزاء العالم بنمط خطابها الطائفي المتطرف والعنفي، كما أنها بمواقفها وممارساتها عوّقت من إمكان التفاف كل مكونات الشعب السوري حول الثورة، وسهّلت على النظام الترويج لدعايته المتعلقة بمواجهة الإرهاب والتطرف، وحماية الأقليات، وهذه فاتورة غالية وخطرة ومكلفة.

الأهم أنه يجدر الانتباه إلى أن ما تعدّه الجبهة فضلًا لها، في الصراع مع النظام، لم يغيّر من الواقع شيئًا، وأن أكثرية السوريين دفعوا الثمن باهظا بحصار النظام لمناطقهم، وتحويلها إلى حقل رماية لبراميله وصواريخه المتفجرة، وبتجويعهم وتدمير عمرانهم وتشريدهم؛ بسبب غياب استراتيجية عسكرية واضحة لهذه الجبهة (ولغيرها)، وضعف الإمكانيات، وعدم المواءمة بين القدرات وأشكال العمل، وضمنه اعتماد استراتيجية السيطرة على مناطق.

ما يُفترض إدراكه أن الموقف من هذه الجبهة لا يصدر من تغطّيها بالإسلام، أو انتهاجها الإسلام السياسي، فهذا يتوافق مع حرية الرأي والاعتقاد اللذين يتوق إليهما السوريون، وإنما يصدر بسبب تبنّيها الإسلام المتطرف والتكفيري والإقصائي، وانتهاجها لغة التحريم، على نحو ما ظهر في بيانها المتعلق برفض وتحريم القتال في معركة “درع الفرات”، بالتعاون مع الجيش التركي ضد “داعش”، والذي كفّرت فيه الأميركيين (وهذا يسري على من في حكمهم طبعًا).

معلوم أن خطابًا -كهذا- يُخرج كثيرًا من السوريين، من غير المسلمين، من دائرة المواطنة، ما يعني تصديع وحدة الشعب السوري، فضلًا عن أنه يستهدف المسلمين؛ وحتى التيارات الإسلامية المعتدلة، بحكم عدم توافقها مع هذه الجبهة، هذا أولًا، وثانيًا، إن هذه الجبهة تعتمد العنف والإكراه في فرض رؤاها الخاصة على السوريين، ومن ضمنهم المسلمون، كأنها تحتكر تمثيل الإسلام والوصاية على المسلمين، وهو ما تجلى في إدارتها للمناطق التي هيمنت عليها، حيث لم تسمح للمعارضة بالوجود، كما أنها قوضت ثقة السوريين بطابع سلطتها التي قامت على البطش والترويع والأوامر والنواهي، بدعوى تطبيق شرع الله.

ثالثًا، إن تصدّر هذه الجبهة لمشهد الصراع ضد النظام (مع “داعش”) هو تحديدًا ما يريده ويتمناه النظام، وما دأب على الترويج له، لأنّ هذا يخدم سياسته في تحويل الثورة السياسية إلى صراع ضد الإرهاب والتطرف، وبالتالي؛ إطلاق يده، مع روسيا وإيران، في البطش بالبيئات الحاضنة للثورة، على نحو ما حصل، مثلًا، في الزبداني ودوما وحمص وداريا، وعلى نحو ما يحصل في حلب أخيرًا.

رابعًا، هذه الجبهة تثقل على السوريين، وعلى مستقبلهم؛ إذ تحد من إمكان تعاطف العالم معهم، وتصادر المستقبل السوري المنشود باستبدال استبداد باستبداد أخر، بدعوى الحاكمية، أو بدعوى فرض سلطان الله على أرضه، كأن الله منح الجبهة الوكالة عنه، كما أنها تحرم السوريين من أي تعاطف مع عذاباتهم؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقبل بتقديم الدعم لجماعة مسلحة، أو يقبل بصعودها، وهي تتهمه بالكفر، وتتوعده بسبب ذلك. خامسًا، تبدو هذه الجبهة غريبة عن المجتمع السوري، وعن “إجماعه” السياسي، وثقافته، ونمط تعاملاته، وحتى بنمط تسلطها عليه، على الرغم من إدراكها أن ذلك يفاقم من عذابات السوريين، ويعزلهم، ويكشفهم أمام بطش النظام، أي أن هذه الجبهة لا تتعامل بمسؤولية، أو بغيرية على الشعب السوري، بإصرارها على نهجها، بدليل أنها لم تغير سوى اسمها؛ استجابة للضغوط عليها، في حين ظلت في مواقفها وممارساتها جزءًا من تنظيم “القاعدة”؛ إذ لا يكاد يوجد فارق بينها وبين “داعش” سوى في التفاصيل.

طبعًا، يجدر التذكير -هنا- بضرورة التمييز بين هذه الجبهة، بقيادتها وبنواتها الصلبة ومواقفها وممارساتها، وبين كثير من المنضوين فيها لأسباب خاصة، أو اضطرارية، من أبناء البلد، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى؛ فإن تصدر جبهة النصرة وأمثالها المشهد السوري أضر بالثورة السورية، وأضعف مكانة المعارضة في الصراع الجاري على مستقبل سورية، كما أضر بوحدة السوريين، بل؛ وحتى بالجماعات الإسلامية المدنية والمعتدلة.

اللافت أن بعض المعارضة، من الائتلاف إلى “الجيش الحر”، ما زال يميّز بين “النصرة” و”داعش”، بادعاءات ساذجة ومضرّة ولا معنى لها، على الرغم من أن التجربة أثبتت أن هذه لا تختلف كثيرا عن تلك، وأن النظام هو المستفيد الأكبر من ادعاءاتهما وتصدرهما.

بناء على كل ذلك؛ ثمة أسئلة تطرح نفسها على هؤلاء، فمثلًا، هل هذا السكوت عن النصرة مراهنة جدية على إمكانياتها بالتغلب على النظام، أم هو ناجم عن مجرد توهّمات أو عن تعاطف أيديولوجي أعمى؟ ثم هل بإمكان السوريين -بإمكانياتهم الخاصة- تحقيق الغلبة على النظام، أم أن هذا يحتاج إلى عوامل إسناد من الدول الكبرى، علمًا أن هذا منوط بإزاحة “الجبهة” من المشهد؟ ثم إذا كانت جبهة الفتح وغيرها لا تستطيع التغلب على النظام بإمكانياتها الخاصة، كما هو واضح، ألا يستوجب ذلك ترتيب المعارضة أوراق قوتها وتكييف ذاتها؛ لتعزيز مكانتها في الصراع على سورية، وتعزيز التعاطف معها، واستجلاب الإسناد الدولي لها، بواقع أن مصلحة الشعب السوري أهم من جبهة فتح الشام أو من أي جبهات أخرى؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق