تحقيقات وتقارير سياسية

الكارثة ليست في حلب بل في تلك المراوغة والكذب

ما زال القرار الدولي -على ما يبدو- يقدم الفرصة تلو الفرصة للنظام السوري؛ حتى بطريقة التعاطي مع المسائل الإنسانية، بل استسلم للأمر الواقع الذي فرضه هذا النظام، وحليفه الروسي، مع ميليشيات المرتزقة التي تنفذ الحصار على الأرض، بحيث يستطيع التفاوض على الأمور الإنسانية، كمكاسب سياسية وعسكرية تصب في مصلحة بشار الأسد، وللأسف؛ فإن كل ما يصدر من قرارات أو اقتراحات أو خطط، إن كانت عن منظمة الأمم المتحدة، أو بعض الدول على انفراد، تشير -فعلًا- إما إلى عدم الجدية، والرغبة في تمييع الأمور، أو جهل في المواثيق والقوانين الدولية التي تخص التعامل مع المدنيين في أثناء الحروب، والتي يجب الحرص عليها كي نحافظ على الإنسانية.
في 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، اقترحت دول الاتحاد الأوروبي طريقة عدّتها جديدة؛ لأجل تقديم المساعدات للأجزاء المحاصرة من مدينة حلب، وذلك بالتنسيق والتعاون مع الأمم المتحدة، حيث دعت فيدريكا موجيريني، مسؤولة السياسية الخارجية في الاتحاد، ومفوض الاتحاد لشؤون المساعدات الإنسانية، كريستوس ستالينيديس، كل الأطراف المعنية لمنح التصاريح اللازمة؛ لمرور وتوصيل المساعدات، وإجلاء الحالات الطبية التي تحتاج إلى علاج من المناطق المحاصرة شرقي حلب إلى خارجها، وأكّد بيان -صدر بهذا الشأن- أن الاتحاد “يرغب في تكثيف العمل خلال الساعات والأيام المقبلة مع الأطراف المعنية؛ من أجل تحقيق ذلك”.
وعدّ بيان الاتحاد الأوروبي أن خطوات هذه العملية تتطلب تعاون الجميع لتنفيذها، وهذه الخطوات تتميز بأنها محايدة، ويمكن أن تنفذ “تبعًا للمسؤولية المنفردة للمنظمات الإنسانية”، موضحًا أن الاتحاد الأوروبي يعمل لجمع مساعدات طارئة، تقدر قيمتها بنحو 25 مليون يورو، للمناطق التي لها الأولوية، بحسب الحاجة في حلب وغيرها.
من جهته، رحب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بالمبادرة الأوربية حول إدخال المساعدات إلى الأحياء المحاصرة، وأعلن في بيان له “تأييده ودعمه الكامل لها”، مضيفًا أن الجيش السوري الحر “على استعداد لتسهيل تنفيذ بنود المبادرة، والالتزام بها في المناطق المحاصرة كافة”، كما طالب بتنفيذ كامل بنودها المتضمنة -أيضًا- إجلاء غير مشروط للجرحى والمصابين، وخاطب الائتلاف، في بيانه الصحافي، المجتمع الدولي قائلًا: “إن الحلول المجتزأة لن تساهم في وقف المعاناة والقتل المستمر”.
يشار إلى أن وكالات الأنباء ذكرت، خلال الأيام الماضية، بأن فرنسا تُعدّ مشروع قرار في مجلس الأمن لأجل حلب، يتضمن وقف العمليات العسكرية وإدخال المساعدات، نستذكر -هنا- ما قاله سابقًا الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، في كلمته أمام الأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، بأنه “سيتم النظر إلى المأساة السورية في التاريخ كعار على المجتمع الدولي، إذا لم نعمل على إنهائها بسرعة”، وأضاف هولاند في تلك الكلمة: “حلب اليوم مدينة شهيدة، وستظل في ذاكرة التاريخ مدينة شهيدة”، وقد دعا مجلس الأمن؛ كي يجتمع بأسرع وقت ممكن، و”ألا يكون مسرحًا للحمقى”، خطاب هولاند وغيره من زعماء العالم، سيبقى أيضًا في ذاكرة التاريخ، كحالة تأبين ربما عن الحالة التي وصل إليها المجتمع الدولي، فهو يدرك تمام الإدراك أن هنالك مدنًا كاملة تُستشهد، وما زال العالم منذ ذلك الخطاب حتى اليوم، يحتار كيف يقدّم خطة لإدخال بضع شاحنات غذاء، من بين حواجز ومدفعية النظام والميليشيات التابعة له، وأسفل معابر طائرات روسيا وحممها.
حول ذلك أعاد -في الآونة الأخيرة- وزير الخارجية الفرنسي، جان إيرولت، تأكيد أن هنالك ضرورة للقيام بحشد دولي؛ لوقف التصعيد غير المسبوق في مدينة حلب، وأيضًا دعا لعقد جلسة لمجلس الأمن، واصفًا تلك المناطق بالمنكوبة، وهنا قد يصح -أيضًا- التذكير بأن وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينمير، كان قبل نحو شهر ونصف قد صرّح من جهته، بأن الوضع الإنساني في مدينة حلب “كارثي”، وأكد على “ضرورة وجود ممرات آمنة دائمة”، مؤكدًا أن من يتجاهل “الوضع المرعب للسكان في حلب يرتكب جريمة”.
والسؤال المستمر الذي يطرح نفسه حول ذلك، هل تكفي التصريحات والخطابات؛ لتبرئة الذمة من حالة الصمت عن الجريمة، أم أنها إدانة جديدة لقادة لا تمتلك تحويل أقوالها أو قراراتها إلى أفعال، وهنا نتكلم عن القارة الأوروبية، كونها من عمل -مباشرة- على تطوير مفاهيم القوانين الدولية، الضامنة لحياة البشر بعد كارثة الحرب العالمية الثانية، وكون سورية شريكة مع أوروبا في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى ذلك؛ فقد أصدرت وزارة الخارجية البريطانية -أيضًا- قبل نحو شهر ونصف، بيانًا عن وزير الخارجية، بوريس جونسون، جاء فيه أن “الوضع في حلب تدهور بعد الحصار”، وحذر من أن المجتمع الدولي “يُخاطر بخذلان الشعب السوري إن لم نبذل مزيدًا من الجهد؛ لوقف وقوع المزيد من الدمار، وعلينا تأمين إيصال المساعدات باستدامة، ووضع نهاية للقصف العشوائي”.
يعرف المسؤولون الأوربيون حجم الكارثة السورية، كما يعرفها السوريون، وتصلهم التقارير اللحظية، وليس اليومية فحسب، عبر طائرات التجسس وأجهزة المراقبة الحديثة، ونراهم يخاطبون مجتمعاتهم بالمثل العليا التي يجب أن تكون سياساتهم مبنية عليها، ولكنهم حقيقة يتوارون خلف مكاتبهم بعد تلك التصريحات مرتاحين، وكأن شيئًا لم يحصل، يريدون منا أن نقتنع بعجزهم أمام جبروت النظام السوري، وعنجهية بوتين، دون إدراك أن السوريين ليسوا جيرانهم وحسب، بل شركاء في صنع الحضارة، وإن هذا النظام هو المسؤول عن تدهور المشاركة السورية في النهضة التي شهدها العصر الحديث، حين أدخل السوريين في سجنه الكبير، وحرمهم التنفس والإبداع والانفتاح على الأفكار والأدوات وتطوير المهارات؛ فعاشوا في مدنهم وأحيائهم في حالة بؤس، يقلبون أيامهم يومًا بيوم، ليصل هذا النظام -في النهاية- إلى تحويلهم لضحايا تحت الركام، وفي مخيمات اللجوء، وعلى شواطئ البحار وفي أعماقها، ثم من بقي منهم محاصرًا، ينظر إليه العالم كمادة دعائية في الخطابات؛ ليحوله إلى حصاد سياسي، له وللأسد ولبوتين، ولتعويم بضعة مهرّبي معابر، يصرفونها في كواليس التمويل الذي يغذي الإرهاب؛ ليكمل السادة السياسيون مفردات خطاباتهم، لكن -بالتأكيد- لن تمر على السوريين أي تصريحات تستغبيهم؛ فذكاؤهم لم يخنهم منذ أن انطلقوا في هتافاتهم، وأسماء أيام الجمعة لمظاهراتهم، فهم من أطلق على جمعة 14 شباط/ فبراير 2012، اسم “روسيا تقتل أطفالنا”، وذلك قبل أن يُرسل بوتين طائراته بأكثر من ثلاثة أعوام ونصف؛ ليطلقوا في 23 أيلول/ سبتمبر الماضي، جمعة “روسيا تقتل والعالم يتفرج”، والآن سيقول السوريون أيضًا: إن العالم لا يتفرج فحسب، بل من المرجّح أنه يدعي ويكذب، فحلب صحيح أنها ما زالت في كارثة، والنظام الذي حوّل كل سورية إلى كارثة، ما زال على مقاعد الأمم المتحدة، وكافة المنظمات التي أهانها بلا أي اكتراث، كشريك وصاحب صوت في اجتماعاتهم، لكن الكارثة التي سيسجّلها التاريخ هي في هذا الكم من الكذب والمراوغة الأممية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق