سورية الآن

موت بيريز وانكشاف تهافت وعينا

رحل الإسرائيلي شيمون بيريز، وهو آخر القادة الإسرائيليين الذين ساهموا في تأسيس دولة إسرائيل.

لقد واجه إعلاميون وسياسيون ومثقفون عرب، وهم كثر، هذا الرحيل، بخطابات وتعليقات ومواقف مليئة بالتناقضات، برز -في غضونها- تخبط وتفكك الوعي الفكري لحقيقة إسرائيل، داخل ” النخب” العربية، والفلسطينية في مقدمتها.

اتسمت أغلبية التعليقات، في وسائل الإعلام والصحافة، وفي وسائل الاتصال، بالنشوة “العاطفية”، كما عبرت عنها الشماتة بموته، ذلك بوصفه أحد الذين ساهموا في اتخاذ قرارات بشن هجمات وحروب، نتج عنها قتل المئات من الفلسطينيين والعرب، ولم ينس أصحاب هذه النشوة التذكير بجداول، حددوا فيها أهم وأخطر الأدوار التي قام بها؛ خدمة لمشروع الدولة التي كان أحد مؤسسيها.

لكن المستوى السياسي العربي الرسمي، والفلسطيني في مقدمته، تناوبته مواقف، تقع جميعها في التعاطي مع الحدث، وكأنه يخص دولة أو بلدًا طبيعيًا، لا تجمعه مع شعوب البلاد العربية أعلى درجة من التناقض، وأكثر أشكال الصراع جذرية؛ فقام عدد من المسؤولين والرؤساء والملوك العرب، بتقديم “واجب” العزاء، انطلاقًا مما يمكن أن يوصف عند المؤسسات الرسمية، بـ “اللياقة الدبلوماسية” ومقتضيات البروتوكول بين الدول.

غير أن المفارقة، في مستوى وطريقة التعبير عن الموقف من موت بيريز، كانت في عدم اكتفاء قيادة السلطة الفلسطينية بتقديم العزاء للحكومة الإسرائيلية، وللشعب الإسرائيلي، بل في الذهاب -بعيدًا- نحو حضور مراسم تشييع شيمون بيريز، وهو ما قام به الرئيس محمود عباس، على رأس وفد من بعض كبار المسؤولين في سلطته. هذا إضافة إلى نقل صور للرئيس عباس وهو يذرف الدموع في مجلس العزاء؛ وحتى لو تم تحييد الصورة، وعدّها غير صحيحة، تظل المشاركة ذات دلالات عميقة وجوهرية، يجب ألا نكتفي معها بـ “فشة خلق” باتهامه بـ “الخيانة”.

بتفكير عقلاني، يتفهم المرء الموقف من بيريز، أحد أبرز صانعي السياسات العدوانية التوسعية، لكن ما يصعب فهمه أن تشف عبارات الشجب لشخصيته، بلحظة رحيله، كما بدا فيها، وكأنَ غيابه يزيل عثرة من طريق الحقوق الفلسطينية والعربية. إن مثل هذا التفكير ينم عن سطحية في فهم طبيعة المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وبتياراتها السياسية المختلفة التي تتناوب السلطة بالانتخابات الحزبية والبرلمانية، ويبدو لي أن هذا التفكير يقوم على وهم الشبه والتطابق بين رؤساء وزعامات بلادنا، وبين قيادات وزعامات دولة إسرائيل. في بلادنا عندما يغيب الموت رئيس بلد ما، تقف تلك البلد على حافة هاوية، وتسود حالة قلق ورعب من المجهول الآتي. وتعود القضية هذه إلى آليات نشوء الزعامات والرؤساء في بلادنا، وغياب المؤسسات التي تشكل الدولة، وتدير شؤونها في لحظة موت رئيس، خاصة في البلاد المحكومة بالنظام الشمولي الدكتاتوري، وبالاعتماد على العسكر، ولا يفوتنا الفارق النسبي بين بلد وآخر، فعندما مات حافظ أسد أصاب الشعب الوجوم، ليس حزنًا عليه، بل خوفًا من غامض مجهول، وربما انفجار البلد، لكن يوم وفاة عبد الناصر، واغتيال السادات، كان القلق المصري أقل.

في إسرائيل، عندما اغتيل رابين، وهو حدث دراماتيكي أنهى حياة رأس السلطة هناك، سرعان ما كلفت المؤسسة، شيمون بيريز برئاسة الحكومة موقّتًا، ولم تضطرب الأوضاع في إسرائيل على الإطلاق، فالاعتقاد بأن رحيل بيريز سيترك فراغًا لا يعوَض، والارتياح لغيابه مع قدر من الشماتة، يكشف خللًا في فهم طبيعة دولة إسرائيل. وتحميل بيريز مسؤولية أعمال همجية حصلت في عهده كرئيس حكومة، لا يقوم على وعي بآلية صنع القرار الإسرائيلي. وعليه يكون الارتياح لموت زعيم إسرائيلي مجرد محاولة؛ لإرضاء الذات العربية المثخنة بالجراح، خلال مواجهاتنا المهزومة مع هذا العدُو.

أما الجانب الآخر، والمتعلق برئيس السلطة الفلسطينية، من تعزية لإسرائيل ببيريز، إلى مشاركة في التشييع، ثم البكاء حزنًا عليه؛ فأعتقد أنه سلوك منسجم مع مرتكزات تفكير الرئيس، ومعسكره في السلطة؛ فمن يقيم كل أساسات وجوده وتقدم مشروع التسوية مع إسرائيل، وتحصيل “الحقوق الفلسطينية” عبر هذا الاتجاه، ليس غريبًا، ولا مفاجئًا أن يظهر تلك التعبيرات “الدبلوماسية” و”العاطفية”، على غياب شريك كانت مواقفه، من دوره في إقناع رابين بأوسلو، إلى محاولاته الدائمة لترك فسحة تظهر إمكانية ” الحل” مع الفلسطينيين، ترضي المساعي الواهمة عند الطرف الفلسطيني.

أردت القول: إن من تفاجأ بموقف عباس، وكال له الاتهامات، وشجب مشاركته في التشييع، وتهكم على بكائه، الذي ذكرته بعض المصادر الإعلامية، غاب عن وعيه ، أو خانته الذاكرة، بأن أوسلو كانت بداية نوعية جديدة في النظر إلى إسرائيل، وفي طريقة التعامل معها، وعلى تلك القاعدة، يكون سلوك أبو مازن إزاء بيريز مفهومًا، وليس مقبولًا بالتأكيد، فهو سلوك مبني على الوهم منذ اتفاق أوسلو، وأصبح تغيير الاتجاه في العلاقة بين السلطة وإسرائيل، وإغلاق طريق التفاوض، وإنهاء الالتزام بأوسلو، يعني، أول ما يعني، زوال السلطة الفلسطينية . وطالما أن السلطة الفلسطينية التي يترأسها محمود عباس ماضية في وهمها التفاوضي، على أمل إيجاد حل لقضية الشعب الفلسطيني، فما سلكته إزاء موت بيريز يبقى تفصيلًا لم يظهر في “سماء صافية”، كما يُقال. ومن السخرية أن ينتقد بعضهم المشاركة في الجنازة؛ لأن القادة الإسرائيليين لم يشاركوا في جنازة ياسر عرفات. لهؤلاء سلفًا أقول:

إن القادة والزعماء في إسرائيل لن يشاركوا -أيضًا- في تشييع أبو مازن يوم رحيله! كرد للجميل الذي أغدقه على بيريز، ووضعه كهدية لحكومة نتنياهو.

وأخلص إلى ما أعتقده جذرًا لما صدر من ردود فعل على موت بيريز، وعلى تداعياته البروتوكولية والمراسيمية، فالفهم الملتبس لطبيعة إسرائيل، ولبنيتها، وآليات إنتاجها لقراراتها السياسية، كما بينته التجربة التاريخية في الصراع المتواصل معها، هو ما يجعل موت زعيم إسرائيلي، مثل بيريز، مؤثرًا إلى هذه الدرجة في خطاباتنا، بتعبيراتها المختلفة، ومن مصادرها المتعددة. فلتكن المناسبة فرصة لوقفة مراجعة للوعي، بعيدًا عن المشاعر الانفعالية، التي تفجرها النقمة على همجية العدوان الإسرائيلي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق