هموم ثقافية

سورية وهولندا.. وسؤال التقسيم

في عربة القطار التي أقلتنا معًا باتجاه أمستردام، سألني رجل هولندي ننطلق كل يوم عمل في الساعة نفسها، العربة نفسها: من أي بلاد أتيت؟

-من سورية. أجبته. رسمت قسمات وجهه حزنًا عميقًا، لأنه يتابع الأخبار بين الحين والآخر.

هل أنت مسلم؟ كان سؤاله التالي مباشرًا وسريعًا وكثيفًا. أجبته بنعم.

في الفترة السابقة؛ الفترة التي أعقبت وصولي إلى البلاد المنخفضة، كنت أعجز عن الرد، حين يباغتني هولندي بهذا السؤال، كنت أقف قلقًا؛ هل أقول له: إني مسلم معتدل، أم مسلم علماني، أم مسلم يختلف عن باقي المسلمين المتشددين، أم أقول له إني أحمل قناعات أخرى!

كنت أختصر الإجابات تلك كلها بأن أقلب شفتي، وحين يعيد سؤاله، كنت أقول: إني تعرضت للسؤال نفسه، وأنا في سورية.

في دمشق السابقة، أجبت أحدهم بأني مسلم، لكنه سألني مسلم من أي منطقة، ومن أي إسلام؟

فوقفت عاجزًا عن الرد.

صادفت الفترة التي أعقبت وصولي إلى هولندا، أن تعرضت بعض البلدان الأوروبية الأخرى لهجمات إرهابية من متشددين إسلاميين؛ فزادت مساحة الكره “الإعلامي” للمسلمين، وزاد كره الشارع، الأمر الذي دفع كثيرين إلى إخفاء هوياتهم الإسلامية، فكانت الصلبان الكبيرة التي وجدت طريقها بسرعة إلى أعناقهم، تشير إلى أنهم بدّلوا قناعاتهم، أو هوياتهم، أو جلودهم.

ربما “دفاع سلبي”، اقترفه هؤلاء، كما وصفهم زميل السفر الهولندي، أو ربما حيطة وحذر، وقد يكون ضروريًا، لأن ردود الفعل السلبية تنتشر بسرعة، خاصة بوجود إعلام، ووسائل أخرى لإيصال الأفكار “الغبية”، وربما يدفع بعض الأبرياء الثمن. لكن القانون في هولندا قوي جدًا.

لم يقل إن المخابرات والأجهزة الأمنية الهولندية قوية. قال إن القانون قوي.

هل كان النظام في سورية قويًّا، وكان الخوف من النظام ومن مفرزاته الأمنية العلنية والسّرّية، هو ما دفع السوريين إلى التزام الوحدة، وتجرّعِ دواء “الشعب الواحد” المرّ؟ أم كانت هويتهم السورية المقسومة تعبر عن نفسها حين السؤال عن قومية السوري الآخر، ودينه وإسلامه؟ هل أوهنت الحرب الطويلة النظام ومفرزاته والجميع، وحررت ذلك الخوف وأطلقته من منابته السرية إلى العلن؟ أم تحولت سورية المقسمة “معنويًا” -في زمن النظام الأمني القوي- إلى سرب من السوريات؟

قد تكون سورية اليوم مقسمة أكثر من أي فترة سابقة إلى دويلات طائفية وقومية، دويلات لم تعرف بعد حدودها الجغرافية، لكنها تعرف تمامًا حدودها الدينية والقومية، وقد تكون سورية اليوم سوريات، تنتظر البيان التأسيسي. بيان فرزها بحسب دينها وطائفتها وقوميتها وناسها.

لكن ماذا عن هولندا! ماذا عن المملكة المنخفضة التي بلطت البحر وسكنته، وأقامت مراوح إنتاج الطاقة في البحار والمحيطات، وأوقدت عنفات إعادة تصنيع “القمامة”؛ لتحصل على وقود إضافي، واستثمرت طبقات اليابسة لتنقية الماء من دون أجهزة متطورة، ورفعت شعار “لا ينام هولندي خارج منزل، ولا ينام هولندي وهو جائع”. لقد وضّبت المتشددين اليمينيين، تحت قبة البرلمان، وحاكمت بعضهم، وأنتجت شركة شل العملاقة، وشركة فيليبس الهائلة، ودفعت حوالي70 بالمئة، من ميزانيتها للتنمية الاجتماعية، وأقل من 8 بالمئة لجيشها، وحافظت على ميزانية التعليم التي لا تتغير بتغير موازناتها أو موازنات باقي الفئات.

هل تخلصت هولندا من تقسيماتها المعنوية؟ هل عبرت بديمقراطيتها الصلبة، عتبات التقسيم؟

إذا كانت سورية مقسمة “معنويا” سابقًا، لأن كل سوري يحمل في داخله بذرة للتقسيم، يخفيها، لكنها تخرج رغم أنفه عبر سؤال مفاجئ، يبحث فيه عن هوية السوري الآخر، الدينية منها والطائفية والقومية، وهي اليوم مقسمة “ماديًا”، بسبب وهن الجميع، هل هولندا اليوم مقسمة “معنويًا”، بسبب أن كثيرًا من الهولنديين يجيدون السؤال نفسه؟

لا أعتقد ذلك. هولندا غير مقسمة، وما يدفع الهولندي للسؤال المفاجئ عن هوية الآخر وديانته، هو رغبته في المعرفة، وما يدفعه إلى أن يعيش في دولة موحدة ليس الخوف من النظام، بل حبه له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق