سورية الآن

برقية تعزية سورية بشمعون بيريز

وهنا أيضًا مات رضيع، يحمل من قسمات السلام ما يكفي؛ ليملأ ملفات القضاة والمحلّفين، ميتة لم تكن طبيعية، إذ اخترقت فجر يومه طائرة حربية، فحُولت ضحكته إلى مجرّد استفهام عن التاريخ الذي حاول شم الهواء فيه فاختنق بالركام.

إنه يوم جمعة في 30 أيلول/ سبتمبر، حيث كانت مراسم تأبين (شمعون بيريز) في القدس، عن عمر قارب الـ 200 طفل، قتلوا في مجازر بيريز نفسه، إن احتسبنا أن كل طفل عاش قرابة النصف سنة، فمن قانا إلى بيروت، هناك شواهد إن شاخت الذاكرة، نعم هي القدس حيث دخلها بعض العرب معزين لا محررين، باكين لا فرحين، مكملين حضور وفود سبعين دولة من هذا العالم الذي يحيطنا بأقاويل تُسمى قوانين، ومواثيق وحقوق بشر.

في التاريخ ذاته كان عمر العدوان الروسي على الأرض السورية، قد سجل عامه الأول، بنحو 3300 شهيد مدني، وإعلان حلب مدينة منكوبة، وتصريح لبان كي مون يقول فيه إن مسالخ الحيوان أفضل من الحياة في حلب، وكان قبل ذلك التاريخ بنحو شهر، قد صادف الذكرى الثالثة لمجزرة السلاح الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية، وبعده بساعات قصفت أحياء الرستن بالفوسفور الحارق، وعلى مقربة من الرستن تقع حمص، مدينة أفرغها الأسد وإيران من سكانها، وباتت حاراتها ركامًا، وفي جوار سورية آلاف الخيم، ومئات آلاف السوريين على أبواب شتاء جديد، ولا عزاء للسوريين، أطفال ونساء وشيوخ، أزهقت أرواحهم صواريخ وبراميل ورصاص وسجون الأسد، تمامًا كما أزهقت أوامر بيريز العسكرية على مدى عقود خلت، أرواح الفلسطينيين واللبنانيين وبعض العرب، لم يلقَ الضحايا العزاء، بل لم يجد أحباؤهم وقتًا إضافيًا، لاستكمال مراسم الدفن، أو لتقبل العزاء بين الموت والموت.

يدفن بيريز في عاصمة القضية التي لأجلها أطعم الحكام شعوبهم، مرارة الحياة والفقر والجهل والمرض، وأطنان الشعارات، فيُختصر المشهد النضالي بمحمود عباس كرئيس فلسطيني، وبوزير خارجية (الهرم القومي العربي) ممثلًا الجنرال المزركش بالابتسامات والنياشين، عبد الفتاح السيسي، وتنهمر عطاءات بشار الأسد براميل متفجرة، وعقود بيع مدن، بل بيع وطن بما حمل، لإيران والروس وعديد من المرتزقة، ويدفن العرب رؤوسهم في الرمال، لكن ربما رمال هذه المرة متحرّكة كدوامة بلا قرار.

في القدس يُكرّم القاتل بحشد لزعماء العالم بمراسم دفن تأخذ طابع فقدان (رجل دولة)، ويحجب “القادة” ذاتهم قانون حماية عن مُستضعف، تطارده طائرة أو صاروخ أوتهمة لجوء، فتظهر الأجساد بالمرايا عارية، إلا من فكرة سقطت سهوًا، تُخبرنا أن خطأ ما في زوايا المشهد، وهنالك خلط بين المتوفى والمعزّين، نفهم حينها أن للتاريخ البشري حكايات بين السطور، قد يحفظها الأدب والشعر، بحقائقها، ويزورها القادة بكتَبتِهم، فهنالك قادة عقولهم بحجم الدمار، وهنالك قادة بحجم الفضيحة، وأوطان يستوي فيها الموت بالحياة، جمع بيريز حوله آثام كرة أرضية بربطات العنق تتحرك كمومياء، جامدة بلا عواطف، سوى أن قسماتها تكشف الفصل الأخير من قضايانا، أننا جمهور المقابر ونحلم بشاهدة، تشبه مسلة حمورابي، فبعض المسلات تصلح مَحكمة، وبعضها يصلح إبرة لرتق ثوب، وبعضها تحفظ في جوانبها القانون، وإن بدت تفاصيله باهتة.

هنا القدس إذاعة فلسطين من دمشق، ذاكرة صوت مذيع ونشيد، ومشهد آت من قلب عروبةٍ نابض، يرسل فنًا هتك أعراض التواريخ القومية منها والممانِعة، فيعطي علامات قلب معتل، يشبه حروب العلّة ونواصب راياتها، حفر الأسد فيها قناة العبور وأطلق فيها ينابيع الدم، سامح شكري، ممثل مصر، كان أول العابرين على الكيلو متر 101، مودّعًا تاريخًا ومستقبلًا آخر، هو نفسه من قال: إن في سورية نزاعًا وأزمة، ودولة يجب أن لا يأكلها الرصاص، نعم هنالك دول يجب أن تبقى كما هي، كي تصنع مدجنة تفرّخ ألف أسد، يشبه بيريز، وألف سيسي يشبه جامعة العرب، ودول تستكثر الأسف لخواء أمعاء طفل سوري، وتكرّم بعض فناني سورية على شواطئ المتوسط في الاسكندرية، حيث هتفوا: ليحرق القائد الشعب، فالشعب مستحاثات، والقضية قد طوّبها العسكر منذ عقود، عندما تصبح انقلاباتهم ثورات، وثورات المقهورين تصبح إرهابًا، فينام بيريز آمنًا في نعشه، وينام سادة قومنا آمنين على زناد لم يعد بحاجة ليطلق للخلف، فالفوهة هي الخلف والأمام والقصر والرئيس ومكتب دفن الموتى.

لا شيء مثير في جنازة بيريز، حتى لو نعته جامعة العرب كلها ببيان، وأوفدت ميثاقها الرسمي للتعزية، فمن بيروت إلى دمشق، فبغداد قوس قزح، ومن ليبيا كتاب القذافي الأخضر، قد أينع؛ فأثمر فاكهة الدم الحمراء، فتصبح جماهيريته جماهيريات، ونهره الصناعي يشبه كل أنهارنا الخطابية، حيث ذبل النخيل وتغيّرت ماركة البرتقال، وأحمد العربي قال: أنا الرصاص البرتقال الذكريات، فأصبح محمود درويش في ذاكرة الشتات ديوان وطن، هو مشهد ابتدأ مع أول قمة عربية في أنشاص بالاسكندرية عام 1946، إلى آخر قمة في موريتانيا، ولن ينتهي إلا بموت البطل، في القدس دُفن بطل للحرب والسلام، كما لقّبه صندوق الفرجة الأممي، والعربي، وفي بيت العنكبوت مازال البطل يلتهم أمه، وفي الشرق حيث تُدفن الشعوب حيّة، أصبحت جنازات القادة التاريخيين-ومنذ عقود- كأكوام العفن المعالج.

في القدس وعلى وقع أصوات الجسد السوري المهشّم شرقًا، عاشت تل أبيب، وسقطت دمشق، ورب برقية تعزية سورية تقول: ارقد بسلام يا بيريز، ففي الشام بطل يشبه الأمة في قمّة تكلّسها، وفي العالم قادة، يُشبهون تاريخ الهاغاناة، أو بطل قانا بنسخته العبرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق