قضايا المجتمع

حملة التضامن مع حلب… يا حيـــــــــــــــــف

مع شرارة الثورة السورية، مطلع 2011، كانت أغنية “يا حيف” لسميح شقير، تصدح في ساحات مواجهة، بين الكلمة والرصاص، واعتُقل المئات من شباب سورية، لمجرد وجود الأغنية في أجهزة اتصالاتهم، “يا حيف” الأمس تصلح لصباح اليوم، مترافقة مع حملة تجوب العواصم، نصرة لحلب التي تُباد، وتُعيد وهج يا حيف الثورة وبداياتها. وحدها “يا حيف” مُعبّرة ومتضامنة، رسومًا أو صورًا صمتًا أو صراخًا، فالوجع كبير.

لكن المرارة تدفع لـ “يا حيف” الجديدة، أعمق وأغزر، وأضخم حضورًا وتأثيرًا، فهذي حلب خاصرتنا الشمالية، ست المدائن، وما من سوري إلا استنشق عبير حواريها، وارتدى من صوف معاملها، واعتاش من اقتصادها وتجارتها، ومر بشوارعها وأحيائها، فهل يليق بها أمام وحشية الموت الروسي عشرات أو مئات المعتصمين في هذه العاصمة أم تلك!!

تفتح سيرة الاعتصامات، وتظاهرات السوريين، قيح جرح المعارضة، ومدى قدرتها على تحريك شوارعها في العواصم، وبالتالي؛ قراءة حضورها وشرعيتها، ومستقبلها في بعض الاتجاهات، وحتى اليوم، يمكن القول: إنها نجحت مرة، وأخفقت مرات، لكن هذه المرة مختلفة عما سبقتها، أمام حُكم بالإعدام على حلب وأهليها، فهل تقبل المعارضة الاحتكام إلى شارع خرجت منه، وفي حلب قرارها النهائي؟

لكن، هل تتحمل المعارضة عوامل تراخي الشارع أو استنزافه طوال السنوات الماضية؟ أم إنه من العدل توزيع مسؤولية حلب وقهرها على الجميع؛ لأن القضية قد تكون أكبر من حجمها ودورها؟ ألا يمكن توزيع المسؤوليات بواقعية بين الجميع؟ فالثورة -أصلًا- لم تكن بوارد أن يتبوأ مقعدها أحد، وما المعارضة إلا استجابة لتطورات حلت بالثورة، لكن المهم حملات التضامن مع حلب، اليوم قبل الأمس، وقطعًا تتحمل المعارضة السياسية دورًا، لكنه ليس نهائيًا، أو وحيدةً.

في عمان ما يقارب المليون ونصف مليون لاجئ، من يمنعهم من الخروج متضامنين مع حلب، كان سابقًا ثمة تجمعات واعتصامات للسوريين، وكان ضيق الحال -أحيانًا- يقف حجر عثرة أمام مشاركة أوسع، ولا سيما أن المدن الشمالية والجنوبية تنازعت حضور السوريين، وكان جهد الإغاثة يعمل ليل نهار على إيصال الحاجات الإنسانية، وتغيب عند ممارسة السوريين حقًا من أبرز حقوقهم، ولا سيما في الاعتصام؛ فهل الفصل طبيعي أم تكتيكي؟

في المخيمات وأبرزها “زعتري” الأردن، من يتحمل مسؤولية كبت الصوت، وقد علا في غالبية المنعطفات التي عاشتها الثورة السورية، وباتت عشرات المخيمات تبحث في يوميات قاطنيها، بعد أن أنجزت نيات وأفعال فقدان الأمل في قلوب وعيون السوري هناك. وأبعد من المخيمات، كيف تحولت المدن وقاطنوها من السوريين، إلى ما يشبه السبات أمام هول ما يجري لحلب من ذبح علني ومباشر، مدن وجود السوري في بيروت وعمان وأضنة وغازي عينتاب؛ حتى تلك الدول الممنوع فيها التظاهر أصلًا، كان السوري يبتكر “يا حيف” بحركة رشيقة أمام جمهور رياضي أو حج ديني، إنها حلب… ألم تأكلوا من أصابعها الموصوفة قبل أن يتوغل القتلة؟

قد يكون ضيق الحال هناك، لكنه انتهى مع وصول السوريين إلى مدن أوروبا، وتوفر العوامل المساندة، لاحتشاد واسع في مدن باريس وبرلين وواشنطن، وحتى شمالًا في ستوكهولم، وقد يكون شعور التغييب المقصود للسوريين في المنعطفات السياسية، تسرب إلى شوارعهم، فتساوى السياسي بالثائر والناشط والمدني، لكن صحيح أيضًا، أن ثمة حضور -حتى الأمس القريب- لهذا الشارع، نتذكر حضوره في ذكرى مجزرة الكيماوي، وذكرى الثورة، فهل صور حلب الجريحة المستغيثة بأهلها لم تصل؟

ثمة بديهيات أن الناس أصابها الألم كثيرًا خلال السنوات السابقة، وتكرار جرعاته يوميًا، يفقدها كثيرًا من الإحساس العالي بتكرار الوقائع، وأن الشوارع في الداخل والخارج، تلملم جراحها، حتى أوروبيًا، تلاحق السوري همومه اليومية، من اللغة إلى العمل إلى الجغرافيا المتباعدة، فيما داخليًا، تتساوى المدن الثائرة بجراحها ومعاناة أهليها، لكن البديهية الثابتة أن ما لحلب ليس لما غيرها، لجهة حجم التدمير وبدايات أو نهايات حلم راود يوميات السوريين في شوارعهم داخل سورية وفي خارجها، ولهذا وجبت المراجعة والمصارحة والبحث في أسباب غياب الحملات التضامنية القادرة والمؤثرة.

النقطة التي تابعتها، ولا تعني بأي شكل، اتهامًا لفريق بذل قصارى جهده ووقته، ويلقى كل التقدير، وإن لم يلب الطموح بحشد يوازي مذبحة حلب، أن ثمة فعاليات لاقت حضورًا، بدءًا من عمان وبينهما إسطنبول، ووصولًا إلى باريس، تذكروا مثلًا يوم المعتقلين؛ حيث استقطبت رموزًا سياسية وإعلامية، وشارع مشارك، استطاع أن يوصل الرسالة، ويتشارك مع منظمات يسارية وحقوقية غربية، وحتى من تغيب عن المشاركة، أصابته الحسرة لجودة وإتقان العمل، ورموزه وهدفه وأدواته، وهو أيضًا، تكرر في برلين وغيرها، وهو ما يفرض أسئلة التضامن مع حلب ومراجعة الصورة، فهل ثمة هفوات حدثت أو مناكفات أرخت بثقلها على حضور الشوارع، وغياب المعارضة والفنانين، وهي دعوة للمعارضة السياسية، والتي عليها أن تتجاوز البرتوكولات المتعارف عليها أمام المنعطفات الحادة، وتدعو مؤسساتها وعامليها للتشجيع، وتبادر للوقوف والالتصاق بشارعها في جميع المدن، بدءًا من الداخل وصولًا إلى العواصم، وأن تكون حاضرة، وتوزع الأدوار، وتصفق لأي ناشط أو سوري ينجح في هذه المدينة أو تلك، وتمد له أذرعها للمزيد، وتذكير السوريين في عواصمهم الجديدة بواجباتهم ودعوتهم لعدم الاستسلام والركون لحياة اليوميات، بما فيها من تعب، وتشجيع كل فعل وكل نجاح يوهن من ظل الديكتاتور وأولها حلب، والغناء للعالم المتمدن، “يا حيـــــــــــــــــــــــــــــف” مجددًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق