مقالات الرأي

السقوط الأميركي سوريًا

ليس من السهل الاعتقاد بأن شخصية أوباما وحدها، هي من وراء التردد والتقلب، وصولًا إلى انسحاب السياسة الأميركية من الوضع السوري، ومن الصعب -أيضًا- أن نُسلّم بفرضية انتهاء المصالح الأميركية في هذه البقعة الجغرافية الفائقة الأهمية للعالم القديم والحديث؛ إذ من المعروف أن سياستهم لا يتفرد بها شخص الرئيس، على الرغم من نظامهم الرئاسي، مع أن له صلاحيات خاصة به غير قليلة، لكنه لا يُمارسها إلا بعد استشارة طاقمه المحيط به، بل من المدهش حقًا أن يقف رئيس القوة العظمى -التي كانت وإلى وقت قريب تُدير العالم كله من خلال القطب الواحد- في قاعدة عسكرية أميركية، يُلقي خطابًا يقول فيه “قلبي يتفطر من أجل سورية، قولوا لي ماذا أفعل؟!! لكن لا تقولوا أرسل قواتًا عسكرية”. تخيلت بوتين يستمع للخطاب ويغرق بالضحك، وقد يشاركه ملالي إيران، أما الشعب السوري فسيجد من يرد عليه ساخرًا، “تعال وانضم لهتافنا وردد: يا الله مالنا غيرك يا الله”…

كان المتابعون للمواقف الأميركية يعلمون جيدًا أن البرنامج الانتخابي الذي نجح أوباما من خلاله، ينصُ على سحب القوات الأميركية من الجبهات الساخنة عالميًا، وأنه قدّم نفسه كرسول للسلام العالمي، وعليه نال جائزة نوبل للسلام، وسحب -فعلًا- معظم قواته من العراق وأفغانستان، وتفرغ لمعالجة مشكلات بلاده الاقتصادية، لكن العالم لم يكن يومًا حالة راكدة، يستطيع رئيس، حتى لو كان رئيسًا لأكبر دولة عالمية، أن يوقف التغيرات التي تطرأ عليه، ولا سيما تلك التغيرات الكبيرة التي تتحرك بها الشعوب وتتصادم مع القوى التي تريد استمرار ركودها، والتغيرات التي تصيب دولًا تُناطح أوباما في سيطرة دولته على مقادير العالم، والتي اقتحمت الساحة الدولية بشراسة قلّ نظيرها، توظف من أجل أهدافها ومصالحها ما تملكه من قوىً عسكرية تُدير من خلالها المعارك السياسية لتحقق ما تريد.

إن سياسة الانسحاب من المواجهة، أو المواجهة الكلامية البحتة والمفاوضات، دون التهديد بعصا التفوق العسكري أو ما يشابهه من المؤثرات الأخرى أمام قوى شاهرة الأنياب والأظافر، لن تُنتج إلا تراجعًا في المكانة الدولية للدولة الأميركية، قد يصل في النهاية إلى انهيار نفوذها العالمي، وتهميش نفوذ حلفائها في مواقع مصالحهم الأهم… وهاهي روسيا اليوم تقود تحالفًا يُمثّل أكثر من نصف الكرة الأرضية، تحتل القرم وتُقسّم أوكرانيا، وتحتل سورية، وتتمدد مع النفوذ الإيراني والصيني إلى إفريقيا، وتحاول الإمساك بمفاتيح شرق المتوسط من باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز، إلى طريق الحرير التاريخي، دون أن تستطيع أميركا وحلفاؤها ردعها أو إيقاف ذلك التمدد.
هل يمكن أن تُراودنا قناعةٌ بأن الإدارة الأمريكية، بكونغرسها وأجهزتها الأمنية لم تكن تُدرك ذلك؟! وبأن سلمية أوباما وحدها كانت تُقرر تلك السياسة الانسحابية؟

قد نُسلّم بأن المصالح الأميركية انتقلت إلى شرق آسيا كما يُقال، ولم تعد لهم مصالح تُذكر في شرق المتوسط عدا حماية إسرائيل، التي كما يبدو، قد نافسهم فيها بوتين، وجذب قادتها إليه بعد احتلاله العسكري لسورية، ولم يبق لهم منها إلا ابتزاز إسرائيلي لنيل مساعدات باهظة التكاليف، لكنَ -حسابات القرايا لا تتطابق مع حساب السرايا- كما يقول المثل العامي، فها هو الإرهاب يعود ليطرق أبوابهم بقوة، بصرف النظر عمن صنعه أو هيأ أسبابه، وهاهي الكتائب الأميركية تعود إلى العراق وتنزل في شمال سورية وشرقها، وهاهي العسكرية الأميركية تُقيم قواعد لها في الجزيرة السورية وتقصف داعش في عين العرب (كوباني)، ويتحالف سلاحها الجوي مع دول العالم ليُحارب الإرهاب الذي يطول قصفه دون تأثير ملموس، والميزانية الأميركية تدفع تلك التكاليف التي أحب أوباما أن يُخلصها منها ويُحولها إلى حل أزمة بلاده الاقتصادية، بل كان بإمكانه ألا يُثقلها لو بادر لحل مشكلة المنطقة منذ بوادرها الأولى بالسماح لدولها الإقليمية بحل مشاكلها بنفسها.

أوباما وإدارته، في كل ذلك، يقف ساخرًا تارة من المعارضة السورية، وطورًا يُعطي وزيره كيري ضوءًا أخضرًا لبوتين ليفعل الأفاعيل بالشعب السوري، ثم يدخل بمساومات مع تركيا ليسمح لها ببضع كيلومترات من الشمال السوري لقاء كف يدها عن حلب.. ويُهدد المملكة السعودية بقانون رعاية الإرهاب، ويشن حملة على الوهابية والنظام السعودي يستعير مفرداتها من مقال لوزير خارجية إيران جواد الظريف نشره في الصحف الأميركية قبل يومين، ويغض النظر عن إرهاب إيران وميليشياتها وحزب الله المصنف بالأمم المتحدة من المجموعات الإرهابية، وكل ذلك ليضغط على من يُساعد الشعب السوري للخلاص من كارثته، ولتصب مواقفه بتثبيت من دعاه يومًا للرحيل، وباستمرار المذابح التي تُقلق بان كيمون، وباحتلالٍ روسي فاضح، يتحدى المصالح الأميركية ساخرًا يوميًا من مواقفهم الكلامية، ثم يقف أوباما ليُعلن أنه صعّد مشاعر القلق إلى انفطار قلبه!!! ويستجدي حلولًا من عسكرييه بشرط عدم مشاركتهم فيها، يقف وقفة المسكين الذي لا حيلة له، ليبيع الشعب المذبوح الكلام والعواطف!!!

كلام أوباما ذاك ذكرني بحكاية الصياد والعصفور، التي كنا نقرؤها بكتب المرحلة الابتدائية، عندما كان الصياد يذرف الدمع وهو يذبح العصفور، فتقول العصافير انظروا إلى يده وسكينه ماذا تفعل، ولا تروا دموع عينيه!! حقًا إنه انهيار أخلاقي وسياسي لأوباما وطاقمه المحيط به، وللعالم الحر الذي كانت تقوده الولايات المتحدة الأميركية، والذي جرّته معها إلى هذا الانهيار الكبير، ويبقى هتاف الشعب المُقتَلع من أرضه، المذبوح حتى عظامه: يا الله مالنا غيرك… ليت أوباما يصمت بعد الآن، ولا يتحدث عن سورية والشعب السوري، فلعل الصمت في مثل هذه الفواجع يُنقذ السياسة الأميركية من الوصول إلى قاع الانهيار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق