كلمة جيرون

“الخبز السلام والأرض للجميع”

ما أكثر الأفلام والروايات الروسية المناهضة للحرب! ما زلت أذكر منها ذلك الفيلم “انتبهوا.. السلحفاة” وبشكل خاص مشهد الأطفال الذين كانوا يلهون بسلحفاة صغيرة على الطريق، عندما فاجأتهم –من بعيد- دبابة روسية؛ فهربوا تاركين السلحفاة في طريقها، لكنهم سرعان ما أوقفوا تلك الدبابة قبل أن تهرسها، وهم يصرخون: ” انتبهوا.. السلحفاة، السلحفاة، السلحفاة”.

كيف يمكن أن ننسى أولئك الأطفال الصغار الذين تمكنوا من إيقاف دبابة كبيرة “T- 54″، في نهاية الحرب العالمية الثانية؟ كيف ننسى صرخة ليف تولستوي -بوجه الحرب النابليونية- في روايته الشهيرة (الحرب والسلام)، وغيرها من الروايات؟ فعل ذلك قبله غوغول وشاعر روسيا الاستثنائي بوشكين، وكذلك ليرمنتوف وتورغينيف وتشيخوف، وبعد ذلك غوركي وشولوخوف ورسول حمزاتوف وجنكيز إيتماتوف، وغيرهم كثير من الأدباء الروس والسوفيات الذين كرسوا حياتهم وأدبهم لمناوئة الحرب والدعوة إلى السلام بين الشعوب.

كما كان أول ما فعله لينين بعد انتصار الثورة البلشفية 1917، هو وقف الحرب المدمرة مع الألمان، وكشف اتفاقية سايكس- بيكو السرية، وكان “السلام” من الأقانيم الثلاث لبيان لينين الشهير “الخبز السلام والأرض للجميع”. كان هذا الشعار حينها مناوئًا للإمبريالية وحروبها (الحرب العالمية الأولى)؛ ليتحول بعد الحرب الثانية إلى شعار مركزي للسوفيات وعموم الشيوعيين، دفاعًا عن الشعوب المضطهدة؛ حديثة الاستقلال، وليطبع الأدب والإبداع كله، بطابع إنساني نبيل. وبناء علية بُنيت جامعة الصداقة، (تأسست سنة 1960 وأُطلق عليها اسم “باتريس لومومبا” الذي أعدمه البلجيكيون بعد سنة من توليه الحكم في الكونغو)، لكن ما أن تخلى “ستالين” عام 1939 عن هذا المبدأ (السلام وعدم التدخل)، وتدخل عسكريًا في بولندا -مطلع الحرب العالمية الثانية- وغزا حلف وارسو تشيكوسلوفاكيا في عهد “بريجينيف” 1968، وغيرهما من الدول النامية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، حتى بدأت قيم الشيوعية والاتحاد السوفياتي بالاهتزاز).

لكن ما يفعله فلاديمر بوتين -اليوم- في سورية، تجاوز ما فعله قبله بريجينيف -في سبعينيات القرن المنصرم- عندما أمر جيشه باحتلال أفغانستان؛ لإنقاذ حليفه (نجيب الله) والذي أدى –بدوره- إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، وتحول روسيا العملاقة -بتاريخها ومواردها وشعبها- إلى دولة إمبريالية “عميلة” أو وكيلة للإمبريالية التي حاربها لينين.

لكن من حقنا أن نتساءل اليوم: أين هو الشعب الروسي العظيم؟ وإذا كان هذا الشعب عظيمًا ومحبًا للسلام حقًا؛ فلماذا لا يخرج إلى الساحات والشوارع، ويرفع صوته معترضًا على الجرائم التي يرتكبها نظامه؟ هل يواجه نظامًا شبيهًا بنظام القبضة الحديدية الذي أسسه ستالين، وقامت السلطات السورية باستيراده منذ نصف قرن؟ هل تمكن المستر بوتن من تدجينه؟ هل تمكن من جعل التاريخ يعيد نفسه؟!

تستطيع طائراته –طبعًا- أن تحرق البشر والشجر والحجر، لكن هل تستطيع حرق القيم العليا للإنسانية؟ قيم العدل والمساواة والسلام والحرية، التي كرسها الأدب الروسي الرفيع، وتبناها الشعب الروسي عبر مسيرة “درب آلامه” الطويلة؛ من القيصرية إلى البلشفية إلى القيصرية الجديدة.

إن انتصار الشعب السوري في محنته سيكون انتصارًا ليس للشعب الروسي فحسب، بل لجميع شعوب العالم المضطهدة التي تناضل من أجل “الخبز السلام والأرض للجميع”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق