ترجمات

في سورية: طوفان من نيران النظام وروسيا لتحطيم حلب

تهدف عمليّات القصف إلى سحق الثورة، وإلى تثبيط عزيمة السكّان. “إنّها الضربات الأعنف خلال السنوات الخمس”. بحسب كلام طبيب ما يزال موجودًا على الأرض هناك.

قصف وحصار وتجويع، خلال أشهر وسنوات من دون توقّف، إلى أن يقرّر العدو، منهك القوى، أن يرمي سلاحه ويُخلي المنطقة التي كان يدافع عنها. تلكم كانت الاستراتيجيّة المتّبعة من جانب النظام السوري، منذ عام 2011، والرامية لإخضاع الثورة المضادّة للأسد. إنّها حرب خانقة وبطيئة وطويلة الأمد، وتلائم جيّدًا الجيش الموالي والخليط غير المتجانس من الميليشيّات والوحدات النظاميّة ذات القدرات الهجوميّة المحدودة.

حصد هذا الأسلوب، والذي تفوح منه رائحة العصور الوسطى، ثماره في جيبين ثوريّين، كانا محاصرين منذ عدّة سنوات: مدينة داريّا، في ضواحي دمشق، والتي أُفرغت من سكّانها نهاية شهر آب/ أغسطس، إضافةً إلى حيّ الوعر، في محيط مدينة حمص، والتي مازال يُخليها مقاتلوها، لكن هل سينتهي المطاف بالجزء الشرقي من مدينة حلب -و الذي يعدّ معقلًا للثوّار في شمال سورية، ومنطقة أوسع وذات تعداد سكّاني أكبر (250.000 ساكن)- بأن يرفع، أيضًا، الراية البيضاء بعدما أنهكه طول القتال؟ ذلك هو رهان دمشق وموسكو و طهران، الحلفاء الثلاثة الذين يقومون، منذ 19 أيلول/ سبتمبر، أي تاريخ انهيار الهدنة، والتي تمّ التفاوض في شأنها بصعوبة بين الولايات المتّحدة و روسيا، بتعريض سكّان تلك المدينة لعمليّات قصف وحشيّة لم يشهد لها مثيل.

“إنّها الضربات الأعنف خلال السنوات الخمس الماضية، تمتلك القنابل المستخدمة قوّة تدميريّة لم نشهدها من قبل” يقول الدكتور حمزة الخطيب، أحد الأطباء المقدّر عددهم بحوالي الثلاثين والموجودين حتّى الآن في الأحياء الشرقيّة، والذي تمّ التواصل معه عبر برنامج الرسائل “واتس أب”. وبحسب مركز توثيق الانتهاكات، وهو منظّمة غير حكوميّة سوريّة للدّفاع عن حقوق الإنسان، فقد قضى 227 شخصًا في حلب جرّاء تلك الغارات الجويّة، التي حدثت بين 20 و26 أيلول/سبتمبر، أغلبيتهم العظمى من المدنيّين.

 

“جريمة حرب”

انخفض تواتر الهجمات الجوّيّة يوم الثلاثاء 27 أيلول/ سبتمبر، اليوم الذي شهد تسجيل 11 قتيلًا، فقط، لكن خلال الأيّام الأربعة التي سبقته، سقط ما لا يقل عن مئات الضربات على المدينة ومن دون توقّف، ما سبّب مقتل 80 لـ 90 شخصًا وسطيًّا، وفي ذلك الصدد يقول أيهم برازي، وهو صحفيٌّ سوري: “لا نجرؤ على التحرّك من البيت، لم نعد حتّى نفكّر في أن نأكل، وعلى أيّ حال، فإنّ إيجاد طعامًا بأسعار مقبولة يزذاد صعوبةً، إنّ كلّ ما نفعله هو انتظار الموت”.

يُتّهم سلاح الجويّة الروسي باستخدام قنابل ثاقبة، والمسمّاة “مخترقة التحصينات” والمصمّمة لتدمير البنى التحت-أرضيّة، ويستند ذلك الاتّهام إلى صورٍ تظهر حفرًا عميقة ، وتمّ اكتشافها في مناطق مختلفة من المدينة، وعلى شهادات القاطنين والذين يتحدّثون عن “هزّة أرضيّةٍ” تتسبّب في انهيار الأبنية المجاورة للضربة، وبحسب المبعوث الخاص للأمم المتّحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، فإنّ استخدام ذلك السلاح في منطقة مأهولة كتلك، كما أنّ اللجوء إلى استخدام القنابل الحارقة والقنابل العنقوديّة -وهو الأمر الذي قد تمّ تأكيده- قد يشكّل “جريمة حرب”.

تستهدف تلك الأسلحة المتطوّرة، وبشكلٍ جزئي، أهدافًا عسكريّة، فقد خسر لواء “تجمّع فاستقم” -والذي يعدّ أحد الجماعات المسلّحة الرئيسيّة في حلب، ويتبع للجيش السوري الحر، الفرع المعتدل للثوّار- مطبخه ومخازن طعامه ووقوده وجزءًا من ترسانة أسلحته والتي كانت مطمورة تحت الأرض؛ من جرّاء القصف. يقرّ أحد قادة ذلك اللواء المنتشر على جبهة صلاح الدين، والذي اشترط عدم الكشف عن هوّيته، بذلك ويقول: “لقد تأثّرنا بالتأكيد بكلّ تلك الخسائر، رجالي لم يأكلوا الخبز منذ ثلاثة أيّام، ونكتفي بتشغيل المولّدات لمدّة ساعتين عوضًا عن عشر ساعات”.

تشتعل الحرب الخاطفة السوريّة-الروسيّة فوق الأحياء الجنوبيّة، أيضًا، كحيّ سيف الدولة وحيّ السكري، والتي تعدّ من أكثر الأحياء المأهولة بالسكّان؛ إذ ربّما كانت تلك طريقةً لجعل الناس تهرب من بيوتها، كتمهيد لاختراق أرضي. قامت القوّات الموالية للنظام، يوم الثلاثاء، بالسيطرة على قطّاع صغير، حيّ الفرافرة، بالمقربة من القلعة، لكن، على الرغم من ذلك، ينذر المراقبون الذين يعتقدون بقرب حدوث هجوم بريّ ذي أهميّة؛ وذلك لعدم امتلاك النظام المصادر أو الخبرات الضروريّة لعمليّة من هذا النوع، كما أنّه من غير المرجّح أن يكون حلفاؤه الشيعة، سواء كانوا إيرانيّين أم لبنانيّين، على استعدادٍ للتضحية برجالهم في حرب شوارع ستكون، بكلّ تأكيد، دموّيةً جدًّا.

 

إستراتيجيّة الأرض المحروقة

حتّى هذه اللحظة، تهدف خلاصة الإستراتيجيّة الروسيّة-السوريّة إلى تدمير البنى التحتيّة المدنيّة للجزء الشرقي من مدينة حلب، فعلى سبيل المثال، لقد تمّ تدمير غرفة عمليّات مشفى عمر بن عبد العزيز، والذي قد تمّ تشييده تحت الأرض، بقصف حدث مؤخّرًا، ولربّما قد تمّ ذلك باستعمال أسلحة مضادّة للتحصينات، وكما تمّ سحق ثكنتين من أصل الثكنات الأربع لأصحاب الخوذ البيضاء، والذين يقدّمون خدمات الإسعافات الأوّليّة. وفي السياق ذاته، تمّ تعطيل محطّة ضخ المياه في باب النيرب، الأمر الذي حرم ربع الأحياء الثائرة من المياه الجارية، وعن هذا يقول مصدر في الأمم المتّحدة: “إنّ الغرض من هذا الهجوم هو تطبيق سياسة الأرض المحروقة، وذلك لكسر قدرة السكّان على التعافي، تعجّ المستشفيات بالمصابين لدرجة تجبر الأطبّاء على اختيارٍ انتقائيّ معاكس للمُعتاد؛ فهم لا يداوون إلّا الإصابات السطحيّة، وذلك لعلمهم بعدم القدرة على إنقاذ الإصابات الخطرة. سيكون الشأن الإنسانيّ هو السؤال المفتاحي في هذه الحالة. هل يعدّ سكّان مدينة حلب أنفسهم جاهزين للاحتضار لمدّة أشهر أم أنّهم يفضّلون ترك المدينة، في حال منحناهم إمكانيّة القيام بذلك؟

يستلذّ نظام الأسد بإغراء أعدائه، حيث قام العديد من سكّان تلك الأحياء باستلام رسائل، سواء عبر الهواتف المحمولة أم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تعدهم بالحياة الآمنة إن “قاموا برفع علم الجمهوريّة العربيّة السوريّة على سطوح عماراتهم” أو “إن ذهبوا إلى المطار” الواقع في الجنوب الشرقي للمدينة، والذي تسيطر عليه قوّات موالية للحكومة. يُعامل السكّان، بشكلٍ عام، مثل تلك الوعود بازدراء وشكّ، حيث اختار عدد قليل جدًّا منهم سلوك المعابر الإنسانيّة، والتي قام الجيش الروسي بفتحها بشكلٍ لحظي. يقول أسعد العشّي، وهو رئيس منظّمة “بيتنا سورية” غير الحكوميّة والموجودة في تركيا: “تعدّ حلب ذات قيمة رمزيّة عالية لتسقط كما حدث في داريّا أو الوعر، ستقاتل حتّى آخر رمق، مهما كلّف الأمر”.

 

 

 

عنوان المادة الأصلي بالفرنسيّة En Syrie, déluge de feu du régime et de la Russie pour briser Alep
اسم الكاتب بالعربية والفرنسية بنيامين بارت Benjamin Barthe
مصدر المادة   جريدة اللوموند
تاريخ النشر 28 أيلول/سبتمبر 2016
رابط المادة http://www.lemonde.fr/syrie/article/2016/09/28/deluge-de-feu-russo-syrien-pour-briser-alep_5004702_1618247.html?utm_medium=Social&utm_campaign=Echobox&utm_source=Facebook&utm_term=Autofeed#link_time=1475054238
اسم المترجم  أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق