أدب وفنون

اعتِلافُ مُعارَضَة الحَمِير

بخصوص “اعتلاف معارضة الحمير”

 
فلمّا كانا يتنزّهانِ في بيزنطة؛ رأى جحا وحِمَارُه حشدًا عند مَدخلِ أحدِ الفنادق الفاخرة؛ فسأل صاحِبَهُ:

– ما كلُّ هذا الضجيج؟

ردّ جحا السوريّ: – هذا أحدُ مُؤتمراتِ مُعارضَتِنَا.

قال حِمَارَويه: – أرأيتَ ذاتَ يومٍ حِمارًا في أوتيل خمس نجوم؟!

رَدَّ جحا: – ما رأيتُ سِوَى كِلابٍ مع سَلاسِلِهَا وقططًا أليفةً وببغاوات.

تنهّدَ حِمَارَويه: – آهٍ.. لو أستطيعُ الانتسابَ إلى ائتلافكم.

فتلمّسَ جحا جبهةَ حماره: – هل عادَت إليكَ الحُمّى المالطيّة يا حماري؟!

نهق حِمَارَويه: – أمَا تَعرِفُ بأنّي بلا وثائقَ شخصيةٍ؛ مُذ عَبَرَنا الحدودَ تهريبًا؛ ثمَّ راجعتُ قنصليةَ آلِ الوحشِ من أجل باسبورٍ؛ فرَدَحُوا في وجهي:

– خَلِّ ائتلافَك.. ينفَعَك.

ابتسم جحا: – ولن ينفعَك.

رَدّ حمارويه: – بلى؛ فَلِكُلِّ ائتلافيٍّ: جوازا سفر؛ أحدهما: من وطنه؛ والثاني: من بلد لُجُوئِه؛ وله راتبان: أولهما من ائتلافِه؛ والثاني: من بلد لجوئِه؛ وله بيتان؛ أحدهما: في بيزنطةَ؛ والثاني: لعائلته في بَلدِ شَتَاتِه؛ لا جَمَعَ اللهُ الشَتِيتَينِ معًا.

قال جحا: – هذه إشاعاتٌ يا حماري؛ وبدلًا منها؛ اذهب إلى بني قومِكَ المًعارضينَ لأسدِ غابتكم؛ وشَكِّلوا ائتلافًا؛ وانتخبوا رئيسًا له ومُعَاوِنِين.

نَهَقَ حمارويه: – هل رأيتَ ذاتَ يومٍ حِمارًا قد صارَ رئيسًا؟!

ضحك جحا: – رأينا ذا رقبةٍ كالزرافةِ يصيرُ رئيسًا بالتوريث.

قال حمارويه: – لا تعنينا؛ نحنُ معشرَ الحمير؛ تلك المَنَاصِبُ الزائلة؛ ثمّ أنّنا مُؤتلفونَ مُذ رَسَت السَفِينُ على الجُودِيِّ؛ ونزل منها جَدُّنا “حِمَارَويه الأول” وجَدَّتُنا “أتَانُ الأولى”.

هزّ جحا السوريّ رأسه: – ومِن كُلِّ نَوعٍ اثنان.

فأردف حمارويه: – وفي كلّ ثوراتنا على أُسُودِ غابتنا؛ كُنَّا مزيجًا من سِلمِيَّة حِمارِ غاندي حينَ نصبِرُ على معاناتنا؛ ومن ثوريَّةِ غيفارا حينَ نَرفُسَ الظالمَ فَنُدمِيه؛ ثمّ أضفنا إلى ميراثنا تجربةَ حمير مانديلا.

سأل جحا: – ولماذا ذكرتَ هؤلاءِ تحديدًا.

نهق حمارويه: – لأنه بعدَ هؤلاءِ القادة: غاندي وغيفارا ومانديلا؛ حكَمَ القَوَّادُونَ العالمَ؛ ولمّا يزالون.

قال جحا: – أكمِل حديثكَ يا حماري عن ائتلافِ حميركم.

نهق حمارويه بفخرٍ واعتزاز: – لم نشهد ائتلافًا خارجَ غاباتنا؛ ولم نعرِف حكومةً مُوقّتةً خارجَ ديارنا؛ ولم نستبدل شعيرنَا الوطنيّ بالكِيكِ الأجنبيّ؛ ولم تُغوِنَا الدراهمُ والدولارات يومًا؛ ولا فَوَّضنا أمرَنَا لِسِوَانا؛ فلم يقُل لنا ابنُ أُمِّهِ وأبيه يومًا: ائتلافُكم.. اعتلافٌ؛ ولا قالَ: حكومتكُم رواتبُ على سِجِلّاتٍ مِن وَرَق.

ردّ جحا: – تَغمِزُ على مَن؛ في حديثكَ يا حماري؛ فما حصل لنا هو من أخطاء الثوراتِ عمومًا؛ ثمّ أننا تكالبت علينا مُرتزقةُ الأممِ كلّها.

قال حمارويه: – ونحن أيضًا؛ تكالبَ علينا شبيحةُ الليثِ من: فهودٍ ونُمُورٍ وذِئَابٍ وأبناءِ آوى؛ وتربَّصت بنا النسور والصقور والغُربان والجُرذان؛ ريثما نهوي من قوائمنا الأربعِ إلى أجنابنا؛ ليبدأ نَهشُنا؛ وتعفيشُ بَردَعَاتِنا.

تنهّد جحا السوريّ: اللهمَّ صَبرًا بعشرةِ أضعافِ ما صَبَرَ نبيُّكَ أيّوب.

فلمّا سأله حمارويه: – هاتِ احكِ لي أيضًا عن ائتلافكم.

أخذ جحا ينشجُ من لوعته؛ ويبكي كالطفل الصغير؛ وينشِقُ مِلحَ دَمعِهِ كالفتى الغرير؛ فأخذ حِمَارُهُ يُوَاسِيهِ؛ بينما ضجيجُ الخطاباتِ الرنَّاَنة يتسرَّبُ إليهما من نجوم الفندق الخمسِ اللامعات؛ وفي كواليسه تُعقَدُ الصفقاتُ؛ وتُشترَى الأصواتُ، كلُّ بحسب قدرته على الاستدارة، من تكتلٍ هنا إلى تيارٍ هناك؛ ثمّ انتقل الحَشدُ إلى مَقرِّ ائتلافهم بعد الانتخابات؛ فسمعَ جحا وحِمارُه أصداءَ صَفعتينِ مُدوِيتينِ مُتواليتين؛ تتسرَّبان كقرعِ طبلين؛ وجَلبَةَ تَجَاذُبٍ بالأيدي والأرجلُ والألسنة؛ وقَرقَعةَ طناجر؛ وفَرقَعةَ صحون؛ فآثرا النجاةَ بنفسيهما؛ فعبرا بَحرَ مَرمَرَة إلى بحرِ إيجة؛ وعبرا من طروادة إلى إسبارطة؛ ومنهما إلى أحضان السيدة الفولاذية: الحاجّة ميركل.. أدامها الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق