قضايا المجتمع

مقدمة في أزمة العقل الإسلامي

إن مجتمعنا على الرغم من امتلاكه طاقات بشرية ومادية هائلة؛ ووجود قيم ومبادئ سامية، أمده بها الإسلام، إلا أنه يعاني من أزمة طال أمدها، تغلغلت في العقل المسلم؛ حتى أخذت تتحكم في ثقافته وتوجه سلوكه.

عندما نبدأ البحث في أسباب تلك الأزمة، غالبًا ما نتجه إلى العامل الخارجي؛ لنلوم الاستعمار والغرب والمشروع الأميركي والصهيوني، ونتحدث عن نظرية المؤامرة؛ فنرحّل الأزمة إلى الخارج. والعامل الخارجي لا يمكن نكرانه؛ ولكن هناك عوامل داخلية منحت الخارج ذريعة غزونا واستعمارنا، والهيمنة على مقدراتنا؛ حتى جعلت لدينا قابلية للتخلف، إنْ تجاهلناها، لا نكون موضوعيين في معالجة الأزمة.

القرآن الكريم نبه إلى ذلك؛ ففي الأزمات الاجتماعية ذات البعد الحضاري، يركز القرآن على العامل الداخلي قبل الخارجي؛ إذ يقول تعالى:

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} (آل عمران :165)

أزمة العقل المسلم أزمة قديمة معاصرة في آن واحد، أصبحنا لا نرى -بسببها- من الألوان إلا الأبيض والأسود، وما سواهما غير موجود! هذه الأزمة أدت بنا إلى انحطاط حضاري، وتخبط سياسي، وضياع اجتماعي، نتج عنها فساد، هو الأعلى بين المجتمعات البشرية، أسس لتخلف تنموي وضياع للحريات ووأد للإبداع؛ حتى أصبحنا مثالًا للفشل والهزيمة، وإهدار الوقت والطاقات، بعد أن كنا يومًا ما شامة بين الأمم.

لا يمكن الخروج من جُبِّ هذه الأزمة، إنْ لم ننقد أنفسنا وطرق تفكيرنا ومنهجيتنا في التعامل مع الأزمة، نقدًا ذاتيًا حقيقيًا، وإن لم نقم بمصارحة ومكاشفة فيما بيننا، مشخصين أخطاءنا الفكرية وعيوبنا السلوكية؛ حتى يخرج العقل المسلم من قمقم هذه الأزمة عملاقًا؛ فيقدم رسالته الإنسانية الإيمانية العظيمة للمجتمعات البشرية كلها.

بذور الأزمة

وعلى الرغم من معاصرتنا لهذه الأزمة، إلا أنها ليست وليدة عصرنا، ولكنها تراكمات لأخطاء سابقة، كان أول من وعى خطورتها أبو ذر الغفاري، الصحابي الذي طالما تظاهر ضد سياسة الخليفة عثمان بن عفان الإدارية، في فترة حكمه الثانية، بعد أن استغلت بطانته طيبته وسماحته، فحدث انحراف خطِر، أسسه مروان بن الحكم؛ فوقف ضده أبو ذر بحزم، إلا أن أبا ذر لم يجد من يعينه على الحق؛ فدفع المجتمع المسلم -آنذاك- ثمن سكوته باهظًا، باضطرابات لمحتجين، كان اغتيال عثمان من تداعياتها، علاوة على التداعيات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أدت إلى انشطار المجتمع – بعدئذ- إلى فريقين، ثم أكثر، ومن تبعات تلك الكارثة الصراع بين علي ومعاوية، والذي لا نزال ندفع ثمنه حتى يومنا هذا.

شكلت تلك الأزمة أزمة في إدارة الأزمة، دفع علي بن أبي طالب حياته ثمنًا لها، وفقدت الأمة منذ ذلك التاريخ رشدها، الذي لم تسترجعه حتى يومنا هذا، ولا تزال أزمة عثمان تعدّ أمُّ الأزمات؛ إذ شكلت في العقل المسلم ثقافة ترحيل الأزمة إلى الآخر، وتحميله كل تبعاتها؛ للهروب من الاستحقاق الذي عليه، وحتى يومنا هذا نعيش ثقافة ترحيل مشكلاتنا.

وعلى الرغم من أن تاريخنا السياسي هو أسوأ ما في تراثنا، الذي أسس له فقهاء السلاطين (شرعنة) نسبوها إلى الإسلام زورًا وبهتانًا، من خلال أحاديث مختلقة؛ تفوح رائحة الاستبداد منها؛ تولدَ نتيجةَ فشلنا في إدارة الأزمة البحثُ في تاريخنا عن حلول لأزماتنا، بطريقة الارتداد السلبي إلى التاريخ، وليس الإيجابي؛ فطالبنا الآخرين بعملية استنساخ لتجارب التاريخ، دون أدراك ولا وعي للمعاصرة التي نعيشها؛ والمعاصرة قدر لا يمكن الهروب منه إلى التاريخ، وكأننا غير مدركين أن عصرنا هو عصر المعلومة، ولكن المشكلة أننا لا نزال نعيش مفاهيم ومصطلحات ومنهجية عصر ولّى، ونعالج مشكلاتنا نظريًا، أو من خلال شعارات؛ لا مجال لتطبيقها في الواقع؛ ما أدى إلى استفحال أزماتنا وتراكمها، فعشعش داخل كل منا الإحباط واليأس والاستمرار في البكاء على تاريخنا المزهر، حتى ولَّدت تلك البكائية فينا عجزًا، منعنا من تقديم حلول جادة لتلك الأزمات!

أزمة العقل المسلم

نحن على يقين من أن أزماتنا لم تكن في قيم ومقاصد الإسلام، ولكنها -بالتأكيد- في فهمه وطريقة عرضه، ومحاولة فرض هذا الفهم على الآخرين؛ إضافة إلى محاولة التعايش مع الخلافات التاريخية، لا نزال نكفِّر المعتزلة لإعمال عقولهم، ونجَرِّم المرجئة لأنهم تسامحوا مع المخطئ دنيويًا، ونفسَّق أهل الكلام لأنهم ناقشوا وتأملوا وفكروا، ونبحث عن ابن رشد معاصر لنحرق كتبه، ونرفع راية الحاكمية لله؛ لنكفر الآخر سياسيًا.

إنها أزمة عقل استسلم للتراث، وكفر بالمعاصرة، عقل تناسى مئات الأوامر القرآنية التي تدعو للتأمل والتدبر والتفكر والحكمة والمصلحة العليا، وأخذ ينظر إلى الأزمات من ثقب الطائفية والمذهبية؛ عقل خطاب الخلاص فيه فردي، والأزمة جماعية، مع العلم أن القرآن كله ليس فيه دعوة للفردية!

وصل بنا الحال؛ نتيجة فشلنا في إدارة أزماتنا، إلى أننا أصبحنا نحلم بأن يقوم خصومنا بحلِّ أزماتنا، وشاهدنا كيف تغنى العرب طربًا لقدوم (أوباما)، وكأنه المخلص لنا من أزماتنا كلها، وتناسينا حقيقة أن (أوباما) جاء لحلِّ المشكلات الأميركية وليست العربية. أما المشكلات العربية لا تعنيه مطلقًا، إلا بمقدار ما تؤثر في المصالح الأميركية؛ وهذا من نتائج ثقافة ترحيل الأزمات التي ابتُلي بها العقل المسلم، وهذه هي الأزمة الأولى في العقل المسلم.

إن أزمة العقل الإسلامي هي أزمة ثقافية بالدرجة الأولى، أدت إلى قصور في الوعي؛ تولدت عنها أزمة سلوكية، انبثق منها انفصام ما بين قيم الإسلام ومقاصده وسلوك المسلمين؛ ولا بد من وقفة متأنية مع ذاتنا، ومراجعة حقيقية لمفاهيمنا وأفكارنا، وفق المقاصد القرآنية والعلوم المعاصرة؛ للوصول -بهذا العقل- إلى لحظة الانطلاق الحضارية نحو الإبداع والتنمية؛ لنشارك -جميعًا- في حلول تُخرج العقل الإسلامي من هذه الأزمة، من خلال النقاط البيضاء الموجودة -بالتأكيد- عند كل تيار من التيارات المختلفة؛ لتنهض مجتمعاتنا نهضة أخرى. ولمعرفة علاج أي أزمة، فعلاجها يستوجب معرفة أسبابها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق