مقالات الرأي

عودة الأهواء القومية والدينية والصراع السوري

بعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، وتنامي قوة العولمة، ممثلة بالولايات المتحدة الأميركية، وبالشركات العابرة للقارات، بدا أن العالم يتخلص من اللوثتين: القومية والدينية على المستوى الدولي، وأن العامل الاقتصادي سيكون هو العامل الحاسم في صناعة التحالفات، كما في صناعة الأعداء، لكن توقع أفول نجم القومية والدين كعاملين في الصراع الدولي شيء، وواقع الأمر شيء آخر، فبعد أحداث أيلول/ سبتمبر 2001، ومن ثم الأزمة المالية العالمية في 2008، راحت العلاقات الدولية تشهد عودة لصعود العاملين القومي والديني، مرة بأشكال مقنعة، ومرات عديدة بأشكال فاضحة.

ربما يعكس الحدث السوري، وما ظهر من خلافات عميقة في وجهات النظر الدولية نحوه، عودة الأهواء القومية والدينية إلى الواجهة، وتحولها إلى عناصر فاعلة في مسار الصراع، كان من شأنها أن تعيق المجرى الوطني للصراع، وأن تسهم في تحويله إلى صراع بين قوى إقليمية ودولية، واشتباك لاختبار حدود القوة، وإعادة رسم العلاقات الدولية نفسها.

وإذا كانت الحرب الباردة قد قامت على جدار فصل عقائدي بين منظومتي الشرق والغرب، فإن نهايتها كانت بارقة أمل في انتهاء دور الأيديولوجيا، وصعود معايير جديدة في العلاقات الدولية، تقوم على منطق أكثر تفهمًا لحق الشعوب في الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وهو ما تمّ الترويج له خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، حين راح قطار الحرية يعبر في دول المنظومة الشرقية، مدعومًا من الليبرالية الغربية، وهو ما تُوّج لاحقًا بسعي الاتحاد الأوروبي لضم بلدان من أوروبا الشرقية إليه.

إذن، أخفقت التوقعات، خصوصًا مع عبور قطار الحرية في بلدان العالم العربي، ولم يبدُ الغرب حريصًا على التوجهات ذاتها التي حكمت علاقاته مع دول أوروبا الشرقية، كما أن روسيا الاتحادية، التي لم تتمكن من الوقوف في وجه الميول الغربية والأميركية في التسعينيات من القرن الماضي، بسبب المعاناة في التحوّل، وجدت أن ما يحدث في الشرق الأوسط فرصة؛ لتأكيد موقعها على خارطة النظام الدولي، وهو ما استدعى استحضار البعدين القومي والديني في آن، فالنظام السياسي الروسي الذي فشل في الذهاب نحو أوروبا، كان بأمس الحاجة للتعبير عن نزعته القومية، بكل ما فيها من استحضار لماضٍ يتجاوز ثورته الاشتراكية، إلى ماضي الإمبراطورية الروسية.

كانت الأزمة المالية العالمية من هذا المنطق، بالنسبة لروسيا، وأثر تلك الأزمة على فكرة “الاتحاد الأوروبي”، بمنزلة تأكيد عدم انتهاء عصر القوميات، وعجز الصيغة الأوروبية عن بناء وحدة، تقوم على المصالح فحسب، وتتجاوز المشترك القومي، وكذلك الأمر -ربما- بالنسبة لدول أخرى، فتركيا عبر الإنجازات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها، وعبر تقاطع البعدين القومي والديني، وجدت أنها قادرة على تصعيد درجة نفوذها في الإقليم والعالم، وهي على الرغم من سعيها إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها، وعبر المثال السوري، ما كفّت عن استثمار نتائج الصراع في علاقاتها مع أوروبا، ومع أميركا.

وفي خطوة، تُعدّ تراجعًا عن خطها السياسي في علاقاتها الإقليمية، انغمست إيران -بعد 2003- في العراق عبر تحالفات مذهبية، ثم توسّع هذا الانغماس أكثر فأكثر مع “الربيع العربي”، وخصوصًا مع قيام الثورة السورية، حيث وجدت في استدعاء البعد المذهبي ضرورة سياسية، تعظم من خلالها مكانتها القومية، وهكذا فهي أيضاً قامت باستدعاء البعدين القومي والديني، في صراع إقليمي على بسط النفوذ وحماية المصالح الاستراتيجية.

أسهمت عوامل عدة في منطقة الشرق الأوسط في عودة البعدين القومي والديني، فالاحتلال الأميركي للعراق، واستعرض القوة الأميركية المفرط، والمبالغ فيه في إسقاط نظام صدام حسين، وانفراط عقد الدولة العراقية، فتح العراق على صراعات ما قبل الدولة الوطنية، وعزّز الصراع المذهبي – الديني، وهو ما صبّ في مصلحة إيران التي ترى أن وجود دول وطنية في المشرق العربي، أو وجود دول عربية مستقرة، متناقضًا مع طموحاتها على المدى الاستراتيجي، خصوصًا أن الذاكرة الإيرانية ما زالت تحتفظ بالكثير من ذكريات حرب الثماني سنوات مع العراق (1980 – 1981).

إن الفشل الأميركي، ومعه الفشل الدولي، في الانتقال إلى عصر متعدد الأقطاب، بما يسمح ببناء منظومات أمن قومي وإقليمي مستقرة، سمح لكثير من الدول باستعادة أشكال بائدة في الصراع، فعوضًا عن إدارة التنافس الدولي على قاعدة تقسيم العمل الدولي، وجدنا نشوء حالات من الاستعصاء في البنى القديمة التي لم تتمكن من الانخراط في نظام دولي جديد، يقوم على التنافسية في سوق العمل الدولي، بكل ما تحتاجها هذه التنافسية من فتح للبنى المغلقة على معايير التعددية السياسية والاقتصادية والحقوقية والإعلامية، وهو الأمر الذي ما زال يسمح لدولتين مثل روسيا وإيران في خلط الأوراق، نظرًا لغياب الإرادة السياسية فيهما، وغياب قوى حية داخلية، يمكنها أن تعيد هيكلة النظام السياسي فيهما، بما تتضمنه إعادة الهيكلة من إعادة نظر في الأدوات التي تدار من خلالها المصالح الوطنية العليا.

في سورية، ثمة ثمن كبير يُدفع، حيث تحولت البلاد إلى ساحة اختبار للأهواء القومية والدينية، وقدرة هذه الأهواء على الدفاع عن المصالح وتعظيمها، وما هو أسوأ من وجهة نظر الواقع والتاريخ أن اللاعبين المحليين والمنخرطين أصبحوا تابعين في هذه اللعبة، ومنخرطين في استمرار عبثيتها، من دون أن يكون هناك أي أفق راهن للخروج منها، ومن المرجح أن تستمر هذه الحالة؛ طالما أنه يوجد مزيد من الوقود الأيديولوجي الديني والقومي يصب فوق المحرقة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق