هموم ثقافية

لماذا نُقتل والعالم ينظر

هل تحتاج القضايا العظيمة إلى أعمال فنية عظيمة تعيدها إلى بؤرة الضمير؟ أم أن الضمير هو ما يحتاج إلى أعمال ولو بسيطة تضعه على جمر السؤال من جديد، تستنطقه على كرسي الاعتراف، وجهه لمرآة يطالع فيها صورة شعثاء قبيحة، في أي ليل أعظم من هذا ستذيع سرك أيها الضمير، وعلى أي السفن ستعود إلى موانئ النور، أيها المبحر في غيابك العظيم. في عرض مسرحي بسيط، حيث لا إضاءة اصطناعية ترفرف في المكان (المسرح)، بل إضاءة طبيعية تمامًا، فالشمس قد وُلدت منذ بضعة ساعات مولودًا أسمته النهار. لا ديكور يذكر، خلا تفاصيل المكان الطبيعي.

المكان هو إحدى الباحات المغلقة في جامعة الكويت، والممثلون هم طلاب من الجامعة تقدموا بمبادرة مسرحية تهدف، كما بيّن المشهد الأخير، إلى إحياء القضية السورية التي ماتت في ضمائر الكويتيين كما في ضمائر العرب وتحولت إلى مجرد أرقام ومشاهد شاحبة، تلوكها نشرات الأخبار، مذيعون ومذيعات، مصابون ومصابات بنعاس الحياد، ينهضون من نومهم ليقرؤوا وجبة إخبارية على المشاهدين، ثم يغادرون الاستديو مثلما جاؤوا، وكأن شيئًا لم يكن. طلاب جامعة الكويت قدموا قبل بضعة أشهر عرضًا مسرحيًا من بضعة مشاهد، وقد تميز هذا العرض بحضور جمهرة من الطلاب، شاهدوا العرض وقوفًا ما أخرجه عن مألوف الفرجة، حيث يجلس الجمهور متعدد المشارب والأهواء والطبقات في قاعة كبيرة، تتوضع فيها مقاعد فخمة أو غير فخمة، وفي نهاية القاعة يجثم مسرح يقول: أنا هنا لأذكركم بنابليون الذي قال ذات مرة: (أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا)، لا شيء من هذا كله.

بدأ العرض بمشهد لأطفال سوريين يلعبون ويمرحون في ساحة ما، أو في شارع ما، من مدينة سورية ما، قصف عشوائي همجي يأتي ليبعثر إيقاع المرح، فيستحيل اللعب عويلًا في أعراس الدماء. لا لعب بعد الآن، يسقط بعضهم بين قتيل وجريح، يخّيم طقس من الحزن القارس، ويتوقف الزمن، لكأنما بركان قد أفرغ حممه واستراح، تأتي الموسيقا؛ لتعيد الزمن المتجمد إلى الانبعاث، (ليست الموسيقا مجرد أصوات، بل هي تصور ما للعالم) وفق رؤية لإدوارد سعيد.

الأم الثكلى تحتضن أصدقاء طفلها المغدور، ولا تدري بأي روح ستهمي على جثته. أي عويل في العالم يكفي؛ ليعيد حمزة أو فراس أو علي أو زين.. من أقاصي الغياب. في الاندفاعة الأولى للصرخة تردد: بعثروا حروف الأمل، سقطنا في حفرة عميقة، برد في كل مكان، برد وجوع وألم. في الاندفاعة الثانية للصرخة تردد: (ما إلنا غيرك يا الله). يشيّع الطفل، وترتفع المؤثرات الصوتية حاملة المشهد إلى نهاياته الجنائزية.

ختام المؤثرات أغنية تسائل ضمير الحضور، الذين صدمتهم المشاهد، وكأنهم يرونها للمرة الأولى. أين هو ضميركم مما يجري في بقعة اسمها سورية، لشعب هو شعبكم، ثم يأتي آخر صوت في الكادر ليقول: إن الطفل الذي شيعته عيونكم في العرض، ليس غير القضية السورية التي ماتت في ضمائركم، وإن صرخة الأم ما هي سوى إعلام صادق، كان يريد لكم أن تسمعوا أصوات الأمهات الثكالى أن تسمعوا صهيل الجراح هناك.

يخيّل إليّ أن القضايا العظيمة كقضية الشعب السوري مثالًا، لا يمكن لها أن تموت حتى لو تكالب عليها كل أوغاد العالم، وتقاطرت لدفنها كل جيوش الحقد، إنها قافلة عظيمة من الدماء والشهداء والأبطال، لن تتوقف ولو نبح عليها كل كلاب الأرض. لكن من حق السوريين أن يسألوا لماذا يصمت ضمير العالم عمن يقتلون -بصمت- في الميادين والساحات، في الشوارع والسجون وتحت أنقاض البيوت، دون أن يرفّ جفن لعالم، يبدو أنه قد استهلك آخر جرعة من ضميره، كما يستهلك آخر رشفة من كأس الشراب.

لم يفلح الإعلام، على الرغم من كل الضخ الهائل في الرؤوس، وعبر فضائيات عديدة، في أن يخرج مظاهرة واحدة مهمة، في شوارع مدينة عربية، أو أجنبية، اللهم إلا مظاهرات يخرج فيها سوريون، ويتضامن معهم بعض العابرين هنا أو هناك، فهل نحن بصدد فشل في الضمير؟ ضمير الإعلام، وضمير المؤسسات وضمير الأفراد حتى.

يقينًا إننا بصدد أن نشيّع الضمير الرسمي العربي والدولي، إلى مثواه الأخير. العالم بأنظمته وجيوشه ومؤسساته وإمبراطورياته الإعلامية، التي صمتت ليس عن دماء السوريين والفلسطينيين والمصريين والعراقيين فحسب، بل أسهمت في إراقتها.

أما ضمير الأفراد، فهو حي لا يموت، أقله لدى الشرفاء، إن كانوا في بلاد العرب أو العجم، وقد جاءت مسرحية الطلاب الكويتيين لتؤكد ذلك، وفي هذا السياق، تأتي اللوحة الغنائية التي أبدع فيها مجموعة من الفنانين الفرنسيين، عمل فني مقدم للثورة السورية، وهو أغنية من كلمات الشاعر الفرنسي جان بيير فيليو، وألحان كاترين فنسان ورسوم باولو كوسى، عنوانها (نهضت سيدة دمشق): نهضت سيدة دمشق هذا الصباح، الحرية في قلوبنا والفجر في أيادينا، مئة أو مئتين كنّا حين حطمنا الجدار جدار الخوف حطمه الصغار.. نعم إن القضايا العظيمة وإن مسّها الداء، تبقى حية لا تموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق