تحقيقات وتقارير سياسية

تعزيز دعم الثورة السورية أحد أهم وسائل الرد على قانون “جاستا”

نجح الكونغرس الأميركي بمجلسيه: الشيوخ والنواب، في إجهاض “الفيتو المسرحية”، الذي كان استخدمه الرئيس باراك أوباما، ضد مشروع قانون، يُتيح لذوي ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، رفع دعاوى قضائية ضد الحكومة السعودية، للمطالبة بتعويضات مالية، على الرغم من أن لجنة التحقيقات التابعة للكونغرس، كانت قد برأت المملكة العربية السعودية من أي دور لها في هذه الهجمات، سواء أكان دورًا مباشرًا أو غير مباشر.

قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب”، والذي يُعرف اختصارًا باسم “جاستا” هو قرار أميركي، بغض النظر عن الآلية التي حكمت إصداره، وتدحرجه بين مجلس النواب وبين الفيتيو الرئاسي الذي أعطى بعض الليونة الشكلية؛ للتخفيف من قسوته، وبين مجلس الشيوخ إلى أن استقر أخيرًا في “الكونغرس”، وبات الآن أقرب إلى التنفيذ، على الرغم من أن “الكونغرس” يدرك كما تدرك الإدارات الأميركية التي تلت هجمات 11 أيلول أن ليس للحكومة السعودية أي علاقة بها، وأن تنظيم “القاعدة” يكن للمملكة العربية السعودية عداء أكبر بكثير من عدائه لأميركا وللغرب، ويعدها حكومة كافرة.

القانون ليس ماليًا فحسب، بل هو سياسي بامتياز، ويمكن القول مع هذا القانون: إن ثمانية عقود من العلاقات السعودية – الأميركية، هي الآن بصدد الدخول في عهد جديد، بعد أن بدأت بالهبوط البطيء إثر هجمات أيلول/ سبتمبر، التي قال الرئيس “بوش الإبن” حينها إن العالم بعيد وقوعها سيكون مختلفا عما كان قبلها، ويمكن وصف تلك العلاقات بـ “انتهازية الضرورة المرحلية “، فالولايات المتحدة كانت بحاجة للدول العربية كغطاء إقليمي، يعطي حربها على الإرهاب بعض الشرعية، دون التغاضي عن التلميح للمملكة العربية السعودية بتحملها جزءًا من المسؤولية عن تلك الأحداث بشكل غير مباشر.

على الصعيد الإقليمي، وعدا عن قضايا الأصول المالية والاستثمارات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، فإنه لم تكد تخلو أي زيارة لمسؤولين سعوديين إلى واشنطن خلال السنوات الماضية من تذكيرهم من المسؤولين الأميركيين، بأن غالبية الذين نفذوا هجمات أيلول/ سبتمبر هم سعوديون، في وقت ازداد فيه، وبالتوازي، الغزل الأميركي لإيران، وامتداح حضارتها وعلى لسان الرئيس “أوباما”، وهي النغمة المفضلة لدى إيران، التي استفاقت بعد “ثورة الخميني” على حلم فارسي في التوسع في بلاد العرب، من خلال تصدير ثورتها، هذه النغمة التي تم تتويجها بتوقيع الاتفاق النووي، والبدء بإعادة الأرصدة الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة.

صحيح أن الرئيس الأميركي كان يستمع إلى من يلتقي به في واشنطن من المسؤولين العرب، لكنه سرعان ما يدير ظهره، ويلتفت إلى مصالح بلاده القومية التي رآها من خلال إيران وروسيا وإسرائيل، فلطالما سعت المملكة العربية السعودية، وهي أقوى الداعمين لثورة الشعب السوري، إلى أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولياتها كقوة عظمى، وتساعد من خلال تدخلها العسكري في اسقاط نظام الاستبداد في سورية، وهو النظام الذي أنقذه الروس والإيرانيون من السقوط على يد الشعب السوري، لكن الاستجابة الأميركية كانت محبطة، ولا سيما بعد نجاح الروس في إنجاز اتفاق الكيماوي قبل نحو ثلاثة أعوام، والذي حال دون توجيه ضربات عسكرية أميركية له .

كان من المهم الإدراك بأن الولايات المتحدة جعلت أولويتها -بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر- تكمن في “محاربة الإرهاب”، واحتاجت إلى ساحة لتصفية الحساب مع أكبر عدد ممكن من “المتشددين الإسلاميين”، وهذا ما التقطه النظام السوري، ومن خلفه إيران وروسيا، وهيأ البلاد للتماهي مع الموقف الأميركي، وأطلق من السجون مع بداية “الثورة السورية السلمية” سراح أكثر من “ستين ألف إسلامي”، وسعى إلى عسكرة الثورة و تطييفها، من خلال الحل العسكري الذي سار عليه، وقضى خلاله على ناشطي الثورة المدنيين السلميين، محاولًا إلصاق سمة الإرهاب بها.

روسيا الباحثة عن نفوذ مفقود أيضًا، التقطت ذلك العنوان الأميركي، ودفعت -بشكل مباشر وغير مباشر- بأعداد كبيرة من المتشددين في دول رابطة الدول المستقلة التي تهيمن عليها، إلى سورية، ما شجع العديد من أمثال هؤلاء من دول أخرى إلى التوجه إلى البلاد، وكل ذلك تزامن مع حشد إيران قوى طائفية من أفغانستان والعراق ولبنان ونقلهم إلى سورية، لحماية النظام ومنع سقوطه، من خلال تأجيج الصراع وجعل صورته بشكل مؤامراتي خبيث، تظهر على أنه صراع بين “سنة متشددين تكفيريين” و”شيعة يتصدون للتكفريين”، وهو ما التقى مع مصلحة الولايات المتحدة في نقل الصراع مع “المتشددين” إلى مناطقهم، وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول أميركي.

إذا كانت هذه المعطيات لا تكفي لتفسير الأسباب البعيدة والقريبة التي مهدت على مدى سنوات؛ لسن قانون “جاستا” فهي كافية لفهم طبيعة الأهداف الكامنة وراء توقيع الاتفاق الروسي – الأميركي سيئ الذكر والمتعلق بسورية، والذي تم تسريب وثيقة واحدة من بين خمس وثائق وهي تتعلق بالإرهاب خصوصًا، فهو حدد أولويته في محاربة الإرهاب، حيث حمل الثورة المسؤولية في ذلك، من خلال عدم قدرتها على الفصل بينها وبين القوى المعتدلة، بحسب تصنيفاته، وحمل المسؤولية أيضًا دولًا مساندة للشعب السوري، وأهمها المملكة العربية السعودية.

يمكن في هذا الإطار -أيضًا- فهم رغبة الولايات المتحدة بعدم التدخل في إنهاء الحرب في سورية، فهي أطالت من أمدها؛ بقصد وبشكل متعمد، فهي تريد أن تقتل بسلاحها أو بسلاح غيرها أكبر عدد من الإسلاميين، وعلى هذا أجهضت مسعى المملكة العربية السعودية في التدخل عسكريًا في سورية على غرار اليمن، وذلك بعد أن كانت دفعت بعدد من طائراتها الحربية إلى قواعد تركية، مرفقة ذلك بتصريحات لوزير خارجيتها “عادل الجبير” بأن “الأسد” سيرحل إما بالسياسة أو بالقوة، إلا أنه عاد بعد الرفض الأميركي إلى القول أن التدخل البري سيكون بقرار من التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة.

قبيل الزيارة التي قام بها، قبل نحو شهرين، ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى واشنطن والذي له الدور الأكبر في تشكيل التحالف العربي في “اليمن”؛ لمواجهة إيران، أطلق الرئيس الأميركي باراك أوباما -بالتزامن معها- تصريحاته الشهيرة للصحافي “غولدبيرغ” بأن زمن ركوب الظهر الأميركي قد انتهى، ويقول ” غولدبيرغ “: إنه بدا جليًا أن الرئيس “أوباما” أنه مستاء من العقيدة السياسية الخارجية التي تجبره على التعامل مع السعودية على أنها دولة حليفة للولايات المتحدة”.

يرجح أن يكون لقانون “جاستا” رد فعل قوي من السعودية التي سعت خلال الأشهر الماضية للحيلولة دون صدوره، وكانت، وعدد من حلفائها، قد حذّرت من أن سن هذا القانون ستكون له عواقب سلبية، حيث قال الوزير الجبير في حزيران/ يونيو الماضي: إن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأكبر، وحسنًا فعلت السعودية بعد ذلك، بأن قامت بقطع علاقاتها مع إيران الحليف “النامي” للولايات المتحدة، والعدو الأخطر على العرب، لكن لا بد من أن يترافق ذلك مع تعزيز دعم الشعوب العربية، وقضاياها التحررية، ومنها قضية الشعب العربي السوري في مواجهة مشروع الخمينية الفارسية، بوصفه الخطر الأكبر، ليس على الشعب العربي السوري فحسب، بل على الشعوب العربية الأخرى كذلك.

لن تكون السعودية المستهدف الوحيد من قانون “جاستا”، فالدول العربية الأخرى، ولا سيما الخليجية منها، ستكون الهدف التالي، والخطر يقترب أكثر من أي وقت من الشعوب العربية، فالمشروع الإيراني سيأخذ أبعادًا أكثر عنفا بعد القانون الأميركي الذي يتيح لإيران تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، وقبلها روسيا، ولن تبقى السعودية، وسائر دول المنطقة بخير، سوى بانتصار الثورة السورية التي ستقوض مشروعاتهم التدميرية في عموم المنطقة.

إذا كان قانون “جاستا” قد جعل -بشكل أو بآخر- المملكة العربية السعودية في حل من الخطوط الحمراء التي وضعها الولايات؛ للحيلولة دون تعزيز دعمها للمعارضة السورية، فإن من المرجح أن تعمل بعده، خاصة وأنها تحتضن على أراضيها الهيئة العليا للمفاوضات، باتجاه تعزيز دعمها “القضية السورية”، بوصفها مشروعًا وطنيًا، أصبحت أولويته -الآن- التحرر من الاحتلالين: الروسي والإيراني.

ليست هناك أمام المملكة العربية السعودية من فرصة أكثر أهمية؛ لمواجهة قانون “جاستا” الظالم من إعلان الولايات المتحدة صراحة عدوانها عليها، وذلك بالدفاع عن قضايا العرب العادلة، التي هي الاستثمار الأمضى والأقوى، ووضع إمكانياتها وقدراتها في قيادة مشروع عربي تحرري، وتعزيز دعمها لقضية الشعب العربي السوري التي هي النواة لمشروع عربي تحرري، وحده القادر على تغيير خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، ومواجهة المشروعات الأميركية والروسية والإيرانية والإسرائيلية المتكثفة في سورية الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق