أدب وفنون

هجرة الأيتام

ثمّة عمليات إرهابية ارتكبتْ في الأسابيع الأخيرة على يد بعض المهاجرين في مدن مختلفة من هذه البلاد المتحضرة والمتطورة جدًا.

التحقيقات الأمنية أكدتْ أنه لم يكن هناك أيّ تنسيق بين أولئك المهاجرين في جرائمهم ضد السكان.

حتى الصحف عجزتْ عن إيجاد تفسير مقنع لما حدث، أو تكهن لما قد يحدث.

في اجتماع سري للغاية قدم وزير الداخلية تقريرًا سريًا للرئيس، شرح له:

ـــ المجرمون من أعمار متقاربة، تتبعنا حياتهم لنكتشف رابطًا بينهم، كلهم كانوا نزلاء دارٍ للأيتام في عاصمة بلادهم، أثناء احتلالنا لها منذ عقدين، بعد أن تركنا بلادهم تغرق في الحرب وانسحبنا؛ هاجر بشرٌ كثر من تلك البلاد إلى بلادنا، أغلب الأطفال والمراهقين الذين كانوا آنذاك في دار الأيتام هاجروا إلى هنا في أوقات مختلفة..

تلك الدار هي الآن مدمرة ومهجورة. بلع الوزير ريقه ثمّ أردف بانزعاج: كان فيها مئات الأيتام من الذين قُتِلَ أهلوهم خلال حربنا في بلادهم، أغلبهم هاجروا مع مرور السنوات إلى هنا..

ـــ هذا يعني افتراضيًا أننا الآن أمام مئات المجرمين ومئات العمليات الإرهابية المحتملة؟

تساءل الرئيس بغضب، فأجابه الوزير بأن هزّ رأسه متأسفًا، غير قادرٍ على شرح هذه الكارثة بكلمات أخرى.

وزيرٌ آخر همس:

ـــ لا نستطيع أن نوقف مئات الآلاف من المهاجرين في الشوارع؛ لنسألهم إن كانوا سابقًا من نزلاء تلك الدار، حتى نعثر على مئة مجرم محتمل.

كاد الرئيس أن يختنق بسبب هذه المعلومات التي تضر كثيرًا بمصالح بلاده وسمعتها واقتصادها، وتضره شخصيًا وتضر حزبه في الانتخابات المقبلة.

رئيس المخابرات كان يرمقهم بخبث، ابتسم بهدوءٍ بارد، انحنى وقال للرئيس:

ـــ علماؤنا استطاعوا -في الساعات الأخيرة- الانتهاء من اختراع عظيم، هو الأهم في هذا القرن وفي كل القرون..

في عينيه أشرقتْ لمعة حادة، أردف:

ـــ صار لدينا مركبة فضائية، تستطيع أن تسافر عبر الزمن إلى الخلف، بواسطتها نستطيع تعديل الحوادث التاريخية؛ لإيقاف أيّ تأثير حالي لها، وهذا بالرجوع إلى زمن الحادثة والعبث بها ضمن خطتنا الخاصة.

نستطيع الليلة إرسال هذه المركبة إلى عاصمة تلك البلاد المتخلفة قبل عشرين عامًا، لتهبط في دار الأيتام، ثمّ يخرج عميلنا من المركبة ويرمي السم بكمية جيدة في خزان الماء بدار الأيتام تلك، بهذا نقتلهم كلهم بهدوء في ذلك الزمن، فيختفون هنا، وكأنهم لم يكونوا..

شهق الرئيس، سرعان ما ابتسم مع وزير الداخلية، أكد لهما بثقة رئيس المخابرات:

ـــ هذه المركبة الفضائية العابرة للزمن، سوف تسمح لنا أن نلهو بالحوادث التاريخية وفق رغباتنا ومصالحنا..

ليلًا وقفوا معًا جانب بعض العلماء، لوحوا لضابطين تم اختيارهما للمهمة، وهما يصعدان إلى المركبة مع أكياس السم، حذرهما أحد العلماء:

ــــ عندما تصل المركبة سوف يُفتح بابها تلقائيًا، لكنه بعد ساعة سوف؛ يُغلق لترجع المركبة تلقائيًا، حاولا ألا تأخذ منكما المهمة أكثر من ساعة.

ارتفعتْ المركبة عاليًا؛ لتحلق بسرعة عظيمة متجاوزة عتمة الكون وعتمة الزمن، ثمّ هبطت لتحط في حديقة دار الأيتام قبل عشرين عامًا.

خرج الضابطان، وأصغيا لضجيج الأيتام من خلف تلك النوافذ، ثمّ جلسا على الحشائش؛ ليرتاحا قليلًا قبل تنفيذ المهمة، وهما يشعلان سيجارتين مع زجاجة خمر صغيرة.

أحد الأيتام رمقهما -بكراهية- من خلف شجرة قريبة، أسرع مبتعدًا؛ حتى وصل إلى رفاقه وأخبرهم عن وجود ضابطين خلف الدار.

تسللوا بهدوءٍ إلى خلف الدار، راقبوا الضابطين بعيونهم القاسية، كانوا بالعشرات، بعضهم أخرج سكينًا من تحت ثيابه الرثة، وبعضهم التقط عصا أو قطعة حديد.

ثمّ هجموا على الضابطين، وخلال دقائق مزقوهما بوحشية.

صاروا بأشكالهم المتسخة يرقصون بشكلٍ فوضوي حول الجثتين، كل واحدٍ منهم كأنه قرد يعيش في غابة بدائية، ولم يعِ بعد أنه نتاج أبٍ وأم.

جرهم الفضول بحبلٍ لا مرئي من رقابهم؛ فدخلوا المركبة الفضائية، حشروا أجسادهم النحيلة داخلها، فجأة.. أُغلق بابها عليهم وارتفعتْ لتحلق بسرعة عظيمة.

في عتمتها وهي تتقدم عبر الزمن كان خوفهم الصامت يتعاظم، لم ينتبهوا إلى وجوههم التي كبرتْ بسرعة، كانوا ينتظرون بابها أن يُفتح، وقبضاتهم على سكاكينهم تشتد.

ـالريحانية:28/9/2016ــ

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق