تحقيقات وتقارير سياسية

العَلمانية وإمكانية تطبيقها في سورية المستقبل

ظهرت العَلمانية في سورية في ظل الانتداب الفرنسي في العشرينيات من القرن الماضي، ومضت -باستمرار- في ظل الحكومات المختلفة منذ الاستقلال، وحَكَم حزب البعث العربي الاشتراكي سورية منذ عام 1963، وجمع بين الاشتراكية العربية بإيديولوجيا تُشبه العَلمانية ونظام سياسي استبدادي.

تعدّدت الآراء حول العَلمانية، ونظام الحكم العَلماني، وأجمع كثيرون على أن حزب البعث -خلال سنوات حُكمه- أبعد المجتمع السوري من الأنظمة التحرّرية بممارساته القمعية أولًا، واحتكاره كل الأنشطة  الثقافية والفكرية ثانيًا؛ فتراجع وعي المجتمع لكل المفاهيم الديمقراطية، ولم يعد يُفرّق بين نظام الحكم العَلماني والنظام الشمولي، وفي هذا المعنى، قال المفكر السوري جاد الكريم الجباعي لـ (جيرون): “لا يجوز تعريف العَلمانية بمعزل عن الشروط التاريخية التي أنتجتها، ولا عن سيرورة تطورها وأشكال تحقّقها، وإلا فإنها يمكن أن تتحول إلى مجرد أدلوجة أو عقيدة، وتُختزل في بضعة شعارات، كفصل الدين عن الدولة والمدرسة، أو حياد الدولة إزاء عقائد مواطناتها ومواطنيها أو غير ذلك، فقد نشأت العَلمانية في مناخ النهضة الفكرية والأدبية والفنية والعلمية والتقنية، التي غيّرت زاوية نظر الإنسان إلى الكون والطبيعة والمجتمع، وإلى الإنسان ذاته، فانتقل مركز ثقل المعرفة من السماء إلى الأرض، وغدت الطبيعة مصدرًا لجميع الحقائق، والمجتمع مصدرًا لجميع القيم”.

ويؤكّد الجباعي أن النظام السوري البعثي لم يكن يومًا عَلمانيًا، وأنه كان يخفي وراء ادعاءاته كثيرًا من الأكاذيب التي ترسّخت في عقول قاعدة شعبية واسعة، حتى أصبحت تنادي بها دون أن تشعر، وقال: “إذا نظرنا إلى العَلمانية من زاوية المواطنة المتساوية، وتساوي النساء والرجال ضمنًا، لا يمكن عدّ النظام السوري عَلمانيًا، مهما ادعى، ومهما أمعن مناهضو العلمانية في وصفه بأنه علماني (وبعضهم ديمقراطيون للأسف)، كما أنه لا يستقيم -على أي حال من الأحوال- وصف النظام بأنه طائفي وعَلماني في الوقت نفسه، على نحو ما يصفه إسلاميون وديمقراطيون حاف (ديمقراطيو صندوق الاقتراع)، فهذا الوصف تناقُض في ذاته، وإن وصف النظام السوري بأنه عَلماني شكل من أشكال الحملة المنظّمة على العَلمانية، الشكل الآخر عدّها مرادفة للزندقة والإلحاد، ومناهضة للإسلام خاصة، وهي حملة منظّمة على الديمقراطية في النهاية، وهذا وذاك نوع من الهذيان، لا علاقة له لا بالمعرفة ولا بالسياسة ولا بالأخلاق”.

خلال سنوات الثورة تفكّك نسيج المجتمع السوري، وبات همّه أكبر من التفكير بمرحلة ما بعد سقوط النظام، وعادت نوبات الأصوليّة؛ لتطفو على السطح من جديد، معلنةً حالة الضياع التي وصل إليها الشارع السوري بكافة أطيافه، وساهم في تكريس هذا الضياع غياب الوعي عن القيادات والأحزاب السياسية التي لم تضع ضمن أولوياتها الرأي العام السوري، ولم تتّفق على توحيده.

في هذا السياق أكد الجباعي أنه “لنعرف مدى إمكانية استيعاب الشعب السوري لنظام حكم عَلماني، يتوجّب علينا نقد العلاقات والبنى الاجتماعية والسياسية وخلفياتها الثقافية والأخلاقية؛ إذ لا تزال البنى العائلية والعشائرية والاثنية والمذهبية تقتسم الفضاء الاجتماعي، وتحول دون تشكّل فضاء عام مشترك بين الأفراد والجماعات، وتحول -من ثم- دون تشكل وطنية سورية، والوطنية (القومية) مُنجز عَلماني بامتياز، ولكنها لا تخلو من جرثومة عنصرية منسوجة من عرق وعقيدة دينية، إذا نمت هذه الجرثومة تكفّ الوطنية أو القومية، وتكفّ معها الدولة عن كونها عَلمانية، لأن الدولة تنتكس من دولة قانون ومؤسسات عامة إلى دولة امتيازات، مقابلة ومكافئة للولاءات المذهبية والاثنية والجهوية والحزبية”.

ويعتقد ماهر. ع، وهو صحافي سوري، أن السوريين “متفقون على رغبتهم بالخلاص من النظام الاستبدادي، وبالتالي؛ فهم ينشدون العَلمانية التي ترتكز على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية والجدارة واستحقاق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالتساوي، بغضّ النظر عن الجنس والعرق والدين ولون البشرة وامتيازات الولادة، ولكنهم يخافون من لفظة (عَلمانية)، ويعتقدون أنها تتعارض مع النُظم الدينية، وعندما يحقّق لهم النظام العَلماني ما يصبون إليه، ستتغير هذه الأفكار، “فنسبة كبيرة من المجتمع السوري أبعد ما يكون عن التشدّد، وما يظهر اليوم من نوبات التعصّب هو حالة طارئة وآنية”.

في حين يرى الجباعي أن فكرة تطبيق العَلمانية فكرة غير سليمة أساسًا، وقال: “العَلمانية لا تُطبّق تطبيقًا، فهي ليست وصفة نشتريها من صيدلة هذا الحزب أو ذاك، أو هذا الاتجاه الفكري السياسي أو ذاك، العَلمانية سيرورة تمدن وارتقاء من حالة ما قبل وطنية إلى حالة وطنية، من حالة ما قبل الدولة الوطنية إلى الدولة الوطنية، وليست أيديولوجية أو عقيدة، إذا كان ممكنًا أن تصير سورية دولة وطنية حديثة، دولة حق وقانون ومؤسسات، لجميع مواطناتها ومواطنيها بالتساوي، من دون أي تمييز عرقي أو ديني أو مذهبي أو جنسي أو حزبي، فسوف تكون بالضرورة دولة عَلمانية، من دون أن نسميها كذلك لأن (وطنية = عَلمانية)، سيتجادل السوريون كثيرًا في دين الدولة، ودين رئيسها، ومصادر تشريعاتها، وفي قوانين الأحوال الشخصية، والقوانين الجنائية التمييزية، وعسى أن يتفقوا، وكل ما يتفق عليه السوريون والسوريات سيكون عَلمانيًا، أي وضعيًا، من وضع البشر، وبوسعهم تعديله أو تغييره عندما يلزم ذلك، المهم أن يحتكم الناس إلى عقولهم وضمائرهم، لا إلى السرديات والنصوص، بما في ذلك النصوص القومية والماركسية وغيرها”.

ويعتقد ماهر أنه بعد سقوط النظام ستكون هناك مسؤوليات كبيرة “تقع على عاتق الحكماء والعقلاء؛ لإعادة بعض المنحرفين إلى مسار الفكر الوطني الأصيل”، وأضاف: “تتجلى العَلمانية في تنظيم المجتمع، وفقًا لعمليات الإنتاج الاجتماعي المادي والروحي، كما تتجلى سياسيًا وأخلاقيًا في مبادئ المواطنة وقيمها، ولا سيما المساواة والحرية والعدالة، وواجبنا أن نعرّف العلمانية أنها ليست مناهضة للدين، ولكنها مناهضة للاستبداد الديني والاستبداد السياسي”.

بينما يرى الجباعي أن القيادات السياسية -إلى اليوم- مواقفها بائسة، ورهاننا عليها ليس بمكانه، وقال: “كان الله في عون القيادات السياسية التي نُحمّلها جميع المسؤوليات، ونطلب منها ما ليس في وسعها ومقدورها، يتوجّب على هذه القيادات -أولًا- أن تتقاعد، وتخلّي مكانها للشابات والشباب، وهؤلاء أدرى بتدبير مصيرهم ومصير الوطن، الذي بددته القيادات السياسية، ويتوجّب على السوريات والسوريين جميعًا، لا على القيادات فحسب، أن يدافعوا عن أولادهم وبناتهم، باختيار نظام تربوي تعليمي، ومؤسسات تربوية وتعليمية وثقافية، تجعل منهن ومنهم أشخاصًا مستقلات ومستقلين حرائر وأحرارًا، مواطنات ومواطنين، منتجات ومنتجين، ومبدعات ومبدعين، يبنون مستقبلهم بأيديهم فلا يجوز للمجتمع أن يراهن إلا على نفسه وكذلك الأفراد”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق