مقالات الرأي

صمتٌ شريكٌ في صناعة الموت

صمتٌ صارخٌ ومُفجعٌ، يصمّ الآذان في المنطقة العربية، إزاء المقتلة القائمة -ليلًا نهارًا- في مدينة حلب، والتي تقضي على حيوات المئات، وتودي بالآلاف إلى مصيرٍ مجهول، وتدمر ما تبقى من البنى التحتية، ومن المراكز الصحية، في أقدم الحواضر المدنية من هذا الشرق التعيس. وفي الإشارة إلى المنطقة العربية، فهناك قصدٌ في أن يتحاشى هذا المقال الحديث عما كان يُسمى في أدبيات بعض الأحزاب والجماعات بـ “الوطن العربي”، بعد تخلخل الوطن القطري وزوال الوطن القومي؛ فقد صار ممجوجًا التطرق إلى مفهوم “الوطن” العربي بعد أن استباحت الأنظمة المستبدة شعوبها، واغتصبت الاحتلالات الخارجية والداخلية الأوطان في هذا الفضاء الجغرافي الواسع. وحيث أبدى أغلب المنتمين إلى هذا المجال الخيالي الوهمي، والمشغول -بعناية- من هطولات خطابية لغوية غنية المفردات وفقيرة المحتوى، الرغبة في الابتعاد -تمامًا- عن المفهوم وحمولته؛ بسبب تراكمات ذاتية وموضوعية منذ عقود بعد سقوط “الحلم” القومي. ولقد أُرهق سكان (لا مواطنون) هذه “المنطقة الجغرافية” بالكم الهائل من التجارة السياسية التي قامت على أنقاض مفاهيم قومية، غير مترسخة إلا من خلال خطابٍ “غوغائي”، بعيدًا عن كل معايير البناء الوطني/القومي العقلانية، والتي تأخذ -أولًا وأخيرًا- مصالح شعوبها الاقتصادية والسياسية، قبل أن تضعها -غصبًا- في مطحنة المثاليات المشوهة، وفي قوالب العبارات مسبقة الصنع، والآيلة للانهيار.

إذن، صمتٌ مريب يدمغ الخطاب الرسمي العربي في المطلق، كما الموقف الشعبي نسبيًا. هذا الصمت شبه الشريك في القتل، رافق التعبير الجمعي في المنطقة منذ بدايات الحَراك السلمي السوري، وقبل انتقاله إلى المواجهة المسلحة. كما لم تؤثّر مشاهد التعذيب، المصوّرة بعناية من أولياء الأمر؛ لزرع الرعب وترهيب الناس، في أيٍ ممن تابعوها ـ إلا لمامًا ـ في هذه “المنطقة” الجغرافية ليس إلا. الاكتفاء بانعدام رد الفعل أو رد القول أو رد التعبير صار يُعد إنجازًا متقدمًا في مقابل سيل التبريرات البافلوفية الذي ينهمر على رؤوس السوريين والسوريات الذين يخرجون من تحت الأنقاض، أو الذين ينزلون إلى عمق القبور. ولقد نشط بعض منتحلي الصفة، أخلاقيًا على الأقل، في اجترار عبارات الصحف القومية التي ما فتئت تكذب على ساكني هذا المجال الجغرافي منذ نشوء الدولة “الوطنية” على الأقل: مواجهة الاستعمار، معاداة الإمبريالية، مقارعة الصهيونية، مقاومة المشروعات التوسعية، والمؤامرة الكونية التي تستهدف “أمتنا” و”نجاحاتنا” و”تطورنا”. كلها عبارات يمكن إدراجها في قائمة المفقودات منذ عشريات عدة.

ومن المسلم به أنه لم يعد محتملًا أو ممكنًا أو مطلوبًا إقناع من يهمه الأمر، أو من لا يهمه، بعد مرور سنوات ست من المقتلة، وبعد هذا الكم الهائل الذي لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، من الدمار والتشريد، باتخاذ موقف التنديد الإنساني ما قبل التضامني مع قضية السوريين ومأساتهم، فمن لم “يفهم”، بعد كل هذه المأساة الأرضية، أو لم يرغب في الفهم، لا يسعى إلى ان يفهم، وهو لا يسعى إلى أن يرغب في أن يفهم. لقد صار مُحصّنًا من الشعور، بل هو (أو هي) قد طوّر خطابه بشكل يتعاطى مع هذه المأساة بتجردٍ مجرم، أو بنظرة نقدية باردة أو حتى، وهذا الأكثر مرارة للحس البشري/ الأخلاقي، فقد طوّر خطابًا تبريريًا متقدمًا.

في إحدى مكتبات بيروت المعروفة، صارح صاحبها مجموعة من المثقفين العرب، الذين ما فتئوا يترددون على متجره المليء بكتب متميزة، بموقفه من الشأن السوري قائلًا: “هذا الشعب يستحق البراميل على رأسه؛ لأنه جلب الدواعش”. وبعيدًا عن الخجل أو النسبية أو غيرها من علامات عدم الحسم، أكّد هذا “الإنسان” على مسمع زائريه المندهشين بأنه مقتنعٌ تمامًا بما يقول، ولن يتردد في تكراره ولو للحظة. كما طالعتنا إحدى “يساريات” الحقل الثقافي العربي بمرافعة تاريخية، تبرر تدمير حلب من الروس ولتصير أثرًا بعد عين بالقول : “في الحرب العالمية الثانية، اضطر الحلفاء لقتل مئات الآلاف من المدنيين في أوروبا؛ لتحريرها من النازية، وهذا ما يفعله الروس الآن في حلب (…)”.

سيدرس المؤرخون ويدينون صمت العرب، ومن في حكمهم الجغرافي، ازاء ما يحصل في حلب خصوصًا، وفي سورية عمومًا. ومن المؤكّد أنهم سيجدون صعوبة بمقارنته مع صمت بعض الأوروبيين إزاء المحرقة النازية، ولن يكترث من يراجع تاريخ هذه المرحلة وخطاباتها حتمًا في العبارات “القومجية” التي تلوكها الأفواه الصامتة أمام قتل الإنسان، بعيدًا عن أي حسابات دينية أو عرقية أو فكرية. أما السوريون، فمن سيبقى حيًا منهم سيتذكر دائمًا مرارة الانتماء إلى ما لا معنى له إلا جغرافيًا ربما.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق