ترجمات

اتّفاق وقف إطلاق النار بدأ بالانهيار

اسئناف القتال ينذر بأيّام أكثر قتامةً لسورية

بعد أشهر من المشاحنات الدبلوماسيّة، أملَ جون كيري، وزير خارجيّة أميركا، أنّه قد قام، أخيرًا، بعقد اتّفاقيّة، مع روسيا، من شأنها أن تساعد في إنهاء الحرب في سورية، والتي قد تسبّبت في قتل ما يقارب من نصف مليون إنسان.  لتنجح الخطّة، كان على الطرفين إلقاء أسلحتهم لمدّة أسبوع واحد، والسماح بوصول المساعدات إلى المناطق المحاصرة من البلاد، وفي حال حصول ما سبق، يتم تمديد الهدنة؛ الأمر الذي سيمهّد الطريق أمام روسيا والولايات المتّحدة لإطلاق عمليّة عسكريّة مشتركة ضدّ الدولة الإسلاميّة وجبهة فتح الشام، المجموعة الإرهابيّة والفرع الأسبق للقاعدة.

لكنّ تلك الخطّة لم تذهب بعيدًا، فعلى الرغم من انحسار القتال، قامت الحكومة السوريّة بمنع وصول معظم المساعدات إلى مناطق الثوّار، كما قامت بالسيطرة على إمداداتٍ طبيّة حيويّة من القليل التي سمحت بعبوره عبر الخطوط الأماميّة للقتال. وفي التاسع عشر من أيلول/سبتمبر، رفض النظام السوري تمديد وقف إطلاق النار ذي الأيام السبعة متّهمًا الثوار بالفشل في التحكّم بجبهتهم، ومستشهدًا بالضربة الجوّيّة التي نفّذتها القوّات الأميركيّة وقوّات التحالف، وقتلت 62 جنديًّا سوريًّا عن طريق الخطأ.

لكنّ الخرق الحقيقي للاتّفاق حصل بعد أن عاودت الطائرات الحربيّة، الروسيّة والسوريّة، نشاطها، قاصفةً الأحياء التي يسيطر عليها الثوّار في الجزء الشماليّ لمدينة حلب، كما تعرّضت قافلة مساعدات للأمم المتّحدة للقصف، وسجّل ذلك أوّل هجمة من ذلك النوع منذ بداية الحرب، وقد ألقى مسؤولون أميركيّون باللوم، في تلك الحادثة، على طائرات حربيّة روسيّة؛ بقولهم إنّ سجّلات الرادار أظهرت تحليقها فوق القافلة عندما تعرّضت للاستهداف. نفت روسيا ذلك الأمر، وادّعت بشدّة أنّ حريقًا طال تلك الشاحنات ببساطة، أو أنّها تعرّضت للقصف بقذائف.

قال بان كي مون، الأمين العام للأمم المتّحدة، عن تلك الهجمة بأنّها: “مقزّزة ووحشيّة، ويبدو أنّها كانت هجمة متعمّد”. كما قال موظّفوه: إذا كان استهداف القافلة قد تمّ عن عمد، فإنّ ذلك يُرقيها إلى مصاف “جريمة حرب” (شهدت الحرب السوريّة كثيرًا من جرائم الحرب خلال السنوات الخمس الماضية). وفي اليوم التالي لتلك الهجمة، قصفت طائرات حربيّة عيادة متنقّلة في مناطق الثوّار في حلب، قاتلةً أربعة من أفراد طاقمها الطبّي، ونتيجةً لتلك الهجمات، قالت الأمم المتّحدة وعديد المجموعات الإنسانيّة بأنّهم سيعلّقون عمل قوافل المساعدات.

و بذلك يكون اتّفاق وقف إطلاق النار، والذي استغرق الوصول إليه أشهرًا من المفاوضات، قد بدأ بالانهيار في غضون ساعات من بدء تطبيقه، يقول عمّار السلمو، وهو مدير الدفاع المدني (الخوذات البيضاء) في حلب، وهي قوة مدنيّة تطوّعيّة تعمل في مناطق الثوّار، عن الهجمة على قافلة الأمم المتّحدة: “كانوا يفرّغون حمولة في مستودعٍ عندما ضربت القنابل، لقد أمضيت الليل في سحب جثث الموتى”.

لا يزال السيّد كيري يسعى جاهدًا لإنقاذ ما تبقّى من خطّته، والتي قد تمثّل الجهد الدبلوماسيّ الأميريكيّ الحقيقي والأخير تحت رئاسة باراك أـوباما لإبطاء القتل، لكنّه إن لم يتمكّن من إقناع نظيره الروسي سيرجي لافروف، من تجديد وقف إطلاق النار، وإقناع النظام السوري بإبقاء طائراته الحربيّة على الأرض، الأمر الذي نشده السيّد كيري في الأمم المتّحدة بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر، فإنّ أيامًا أشدّ قتامةً تنتظرنا.

قد يتكثّف القتال نظرًا إلى قيام الحكومة السوريّة، المدعومة إيرانيًّا وروسيًّا، بمضاعفة جهدها لسحق الثوّار في الجزء الشرقي من مدينة حلب، والذي يشكّل معقلهم المدني الرئيس والوحيد. إنّ سقوط حلب قد يعطي الرئيس بشار الأسد، أخيرًا، ما يتوق إلى تحقيقه: السيطرة على مدن البلاد الرئيسة، وعلى المراكز الصناعيّة، وطرق النقل بما فيها المنفذ على البحر (انظر إلى الخريطة).

وفي إشارة، تُثير القلق، لقتال قريبٍ قادم، قامت إيران، على ما يبدو، باستغلال الهدنة لتدعيم ميليشيّاتها حول المدينة، كما تفكّر أميركا بتسليح الأكراد في شمالي سورية، الأمر الذي سيضعها في مواجهة تركيا، البلد الحليف في الناتو. كما تقوم قوّات الثوّار بالاستعداد لجولة جديدة من القتال، إضافة إلى عودة مسألة الاندماج بين جماعات إسلاميّة رئيسة وجبهة فتح الشام، والتي كان قد تمّ نقاشها طويلًا، إلى الطرح.

 

02

 

الثوّار و الأسلحة

يقول النقيب عبد السلام عبد الرزاق، المتحدّث العسكري باسم جماعة نور الدين الزنكي، وهي مجموعة عسكريّة مفتاحيّة في شمال سورية، وكانت قد تلقّت دعمًا عسكريًّا أميركيًّا: “يُعدّ الاندماج هدفًا لكلّ فصائل الثوّار السوريّة، وسيشكّل، إن تمّ انجازه بنجاح، نقطة تحوّل بارزةٍ في مسار الثورة”.

لا تزال محادثات الاندماج في مرحلة مبكّرة، وتخشى تيّارات الثورة الرئيسة من أنّ التحالف مع جبهة فتح الشام سيعرّضها للضربات الجوّيّة الأميريكيّة، كما لا يتّفق الطرفان على رؤاهم فيما يتعلّق بمستقبل سورية؛ لكن في حال بدء جولة جديدة من القتال، فسيكون لتحالفٍ عسكريٍّ أقوى، مشكّلًا من الفصائل الإسلاميّة، فرصًا أفضل في صدّ تقدّم قوّات الأسد.

إنّ اندماجًا كهذا قد ينسف خطّة السيد كيري لوقف إطلاق النار، كما قد يعطّل الهدف أميريكي الأوسع والمتمثّل بمحاولة تسليح الثوّار المعتدلين للقتال ضدّ الدولة الإسلاميّة، كما تتّهم موسكو، مسبقًا، أميركا بفشلها في الفصل بين فصائل الثوّار الرئيسيّة والمجموعات “الإرهابيّة” كجبهة فتح الشام، الأمر الذي يشكّل شرطًا مسبقًا لأيّ عملٍ عسكريّ مشترك بين البلدين، يبقى الثوّار، في هذا الإطار، متردّدين في مسألة الانفصال، لخوفهم من أن يؤدّي ذلك إلى فقدانهم الأراضي لمصلحة الجيش السوري.

حتّى لو نجح السيد كيري بإقناع الأطراف المتحاربة بتمديد وقف إطلاق النار، فلن تكون هناك إلّا فرصة ضئيلة أن تحصد محادثات السلام نتائج مرضية؛ فالمعارضة السياسية للالأسد ضعيفة، كما أنّ ثقة الثوّار في الأمم المتّحدة قد وصلت إلى الحضيض، كما أنّ لأميركا نفوذًا ضئيلًا على روسيا وإيران وسورية.

يقول سلمان شيخ، وهو مسؤول سابق في الأمم المتّحدة، وخبير بشؤون الشرق الأوسط: “كلّما طال امتداد الوضع على ما هو عليه، ازدادت صعوبة المحافظة على أساس سياسي مركزيّ مشترك، وإحدى النتائج ستكون ازدياد تطرّف تيّارات المعارضة، وقد يمتد، ببساطة، نزاع السنوات الخمس ليصبح نزاع السنوات العشر”.

 

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية The ceasefire unravels
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية مجلّة الإيكونومست The Economist
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي مجلّة الإيكونومست The Economist
تاريخ النشر 24 أيلول/ سبتمبر 2016
رابط المادة http://www.economist.com/news/middle-east-and-africa/21707495-resumption-fighting-signals-even-darker-days-syria-ceasefire-unravels
اسم المترجم   أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق