أدب وفنون

الحرب وخراب الكيمياء البشرية

لا تنتهي الحروب بصمت المدافع وإلقاء السّلاح، كما أنّ ضحاياها ليسوا أولئك الذين يموتون بآلةِ قتلها التي نعرفها، فما إن يهدأ ضجيج المعارك وينقشع غبارها، حتى تنجلي الصّورة علن الأهوال التي اختبأت وراء المتاريس وحجبتها هيستيريا الموت. تستقرّ الفظائع عميقًا في المخيّلة البشرية مثل سرطانٍ يُفسِدُ خلايا الحياة، بماضيها وحاضرها ومستقبلها، ولا يُكتَشَفُ إلاّ بعد فوات الأوان؛ إذْ في الحروب قلّما يتوفّر الوقت والجهد لينتبه أحدٌ لضحايا لا ينزفون دمًا، الضحايا الأكثر هشاشةً وضعفًا وتعرّضًا للأذى؛ المرأة والطفل والمريض النفسيّ…

كانت دهشتي كبيرة حين تعثّرت بحكاية عن الحرب في كتابٍ يتحدّث عن الحبّ والشهوّة، الحربُ إذًا -في كلّ مكان- تصنع حكاياتها التي وإنْ وجد من يروي بعضها، فإنّ الكثير منها يبقى طيّ الكتمان والنسيان. وليس النسيان سوى موتٌ آخر.

في العام 1914، وفي قرية صغيرة على نهر “تيسا” تدعى “ناجيريف”، تقع على بعد نحو 60كم من العاصمة المجرية بودابست، كانت الحرب العالمية الأولى في بدايتها، وشعرت الامبراطورية النمساوية-المجريّة بالرّوس يتهدّدونها، وأُعلِن النفير العام في أرجاء البلاد حتى خلَت المدن والبلدات والقرى النائية -في أوروبا الشرقية- من الرجال. لم يبق في قرية ناجيريف من زوج أو خطيب أو حبيب، لتصبح فيما بعد مكانًا لحكاية شديدة الغرابة؛ إذ تلاشى رجالها واحدًا تلو الآخر؛ انسلّ بعضهم من البيوت خلسةً عندَ الفجر، بينما غادر آخرون في مواكب من وداع ونحيب.

خلال فترة وجيزة، وجدت النساء أنفسهنَّ وحيدات أمام هذا المشهد النادر من الغياب القسريّ واختلال التوازن الحيويّ، ولنا أن نتخيّل ما سيكون عليه الحال في مجتمعٍ اختفى رجاله فجأةً، فيما كان على نسائه القيام بكل شيء بمفردهنّ. كان الأمر بمنزلة فاجعةٍ لمعظمهنّ، بينما رأت أخريات بأنّه نعمة من السماء، وعلى الرغم من ذلك، أخذن يعملن في المزارع والمصانع والمؤسسات الحكومية، إلى جانب واجباتهنّ في رعاية الأولاد واستحقاقات البيوت.

خيّمت الكآبة فوق المكان وصارت الحياة بلا معنى، غير أنّ خبرًا مُفرِحًا أنعش القرية وأعاد إلى نسوتها شيئًا من الأمل، ولم يكن ذلك الخبر سوى إعلان الحكومة عن خطّة بناء سجنٍ لأسرى الحرب، على أطراف القرية. كان خبرًا مثيرًا بالنسبة للنسوة اللواتي بدأن يتهامسن سرًّا عن الضيوف المقبلين وما ستكون عليه هيئاتهم وطباعهم، وما إلى ذلك من ثرثرات. وما هي إلاّ بضعة أسابيع حتى اكتمل المشروع وامتلأ السجن بأصناف الرجال…

أتاحت هذه الوفرة من الرجال، أن تتّخذ كلّ امرأة لنفسها خليلًا، حتىّ أنّ كثيراتٍ منهنّ اتّخذن لأنفسهنّ أكثر من رجل، بل إنّ بعضهنّ اتّخَذن ثلاثة عشّاق، غير آبهات لامتعاض الرجال الذين لم يكن لديهم ترَف الاعتراض.

استمرّت الحال على ما هي عليه إلى أن بدأ بعضُ رجال القرية -من الجرحى والمنهَكين- يعودون من الجبهات. كان الاستقبال فاترًا على نحوٍ ملحوظ؛ كيف لا وقد خَبِرَت نساء ناجيريف ذلك النمط الغريب من الاستقلال والانفلات من شرط العلاقة الزوجية التي عرَفنها فيما مضى! كان الأمر غايةً في الصعوبة بالنسبة لهنّ، وأمام حيرتهنّ تلك، قرّرن استفتاء الداية “فازيكاس”، قابلة القرية المشهورة بدهائها. لم تتردّد السيّدة “فازيكاس” في تقديم الحلّ الذي مثّل بالنسبة لها فرصةَ ممتازةً لكسب المال؛ حيث كانت قد توصلت إلى اختراع سُمٍّ قاتل؛ وللمفارقة فقد كانت تصنع السمّ من ذلك الصّمغ الذي تجمعه من الجانب الخلفيّ لمصلقات التجنيد، التي ملأت القرية آنذاك!

راجت تجارة السيدة فازيكاس، في القرية الصغيرة التي سجّلت إحصاءات وفيّاتها قرابة مئة رجل -في الفترة الممتدة بين سنة 1914 و سنة 1929-، والغريب أنّ أحدًا لم يلحظ ما يثير الشكّ، ففي مجتمعات الحروب لا قيمة لتفصيلٍ كهذا! كما أشيع لاحقًا بأنّ المسؤول عن توثيق الوفيّات كان عضوًا في شبكة فازيكاس، وقد تواطأ معها على إخفاء الأمر، إلاّ أنّ تعثًّر محاولة إحدى النسوة في تصفية رجلٍ لم تطقه، قادت إلى افتضاح الأمر. لم تكن الجرعة التي وضعتها السيدة “لاديسلاوس سيزابو” في نبيذ رَجُلِها كافية للإجهاز عليه؛ فانكشف أمرها واقتيدت إلى الشرطة، ولدى التحقيق معها لم تشأ أن تكون بمفردها، فأقرّت للمحققين بالأمر، مبتدئة بصديقتها السيدة “بيكونوسكي” التي تكفّلت بدورها في الوشاية بكبيرتهنّ التي علّمتهن السحر، وهي السيدة فازيكاس، أنكرت فازيكاس الأمر في البداية وأُطلِق سراحها، وفَورَ إخلاء سبيلها راحت تطوف على بيوت زبوناتها محذّرةً من افتضاح الأمر، غير أنّ الشرطة كانت تراقب تحرّكاتها وأعادت القبض عليها مع جميع زبوناتها هذه المرّة، حيث عُثِرَ في بيتها على مطبخٍ كاملٍ لتحضير السمّ من ملصقات التجنيد، وبلغ عدد النساء المتورّطات 26 امرأة، حُكِمَ على 9 منهنّ بالإعدام، وعلى سبعةٍ أخريات بالسجن المؤبّد، فيما حُكِمت الأخريات بفترات سجن متفاوتة، عُرٍفَت الحكاية لاحقًا باسم Angel Makers of Nagyrév صنّاع ملائكة ناجيريف.

ومع أنّ الحكاية وُضِعت في سياق جنائيٍّ صَرْف، إلاّ أنَّ غرائبيتها تجاوزت هذا البُعد السطحي،ّ لتكشف عن أحد جوانب الأهوال النفسية التي تُخلّفُها الحروب في نفوس الشرائح الأكثر عُرضَةً للأذى. ولدى البحث في روايات النساء اللواتي أُحِلنَ للمحاكمة تبيّن أنّ الرابط المشترك الأهم بين جميع حوادث القتل تمثل في سأم النساء من رجالهنّ الذين عادوا من الحرب كجثثٍ حيّة… قالت إحداهن بأنّها أشفقت على جارتها التي انقلبت حياتها جحيمًا -بعد عودة زوجها من الحرب- فأهدتها زجاجةً صغيرةً مخبرةً إيّاها أنّها ستكون آخر الحلول، ولم يكن ذلك الرجل سوى بيتر هيجيدوس أول رجال القرية الذين قضوا بجرعة سمّ أودعتها زوجته في فمه أثناء نومه، فيما قالت أخرى بأنّها لم تعد تحتمل زوجها المضجر على نحوٍ مؤلم، “لقد أرحته وأرحت نفسي”. الغريب أنّ أنَّ القتل لم يتوقف على الأزواج فحسب، بل طالَ العشّاق أيضًا.

تضع الحرب أوزارها لتبدأ معركة أخرى، معركة التعايش مع الحُطام؛ حُطام العالم الخارجيّ، وتهشّم روح الكائن وعالمه الداخليّ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق