مقالات الرأي

التدخل العسكري الروسي في سورية حرجٌ شديد لتركيا

على الرغم من التبريرات الكثيرة لعملية إسقاط الأتراك طائرة السوخوي الروسية، أواخر العام الماضي، والقول إن الطيارين التركيين اللذين أسقطاها انقلابيان، وقد وُضِعا في السجن، فإن إسقاطها كان نتيجة الحرج الشديد الذي استشعرته تركيا بالدخول الروسي المباشر على خط القتال في سورية.

على المستوى العام، كان الهدف من التدخل الروسي تقوية نظام الأسد، بعد فشل إيران في هذه المهمة، ولذلك، فإن هذا التدخل العسكري المباشر كان مناقضًا للموقف التركي في قضية الموقف من بقاء الأسد ونظامه، وما زاد الطين بلة، أن الروس ركّزوا في قصفهم على المناطق التي تُسيطر عليها ما اصطلح على تسميته المعارضة المعتدلة، وضربت المشافي والأسواق، وارتكبت مجازر تفوق تلك التي كان يرتكبها النظام من خلال دقة ضرب الأهداف وفاعلية الذخائر المستخدمة.

لم تكن بداية العملية العسكرية الروسية في سورية على جبل التركمان مصادفة، فالمقاتلون هناك يتلقون دعمًا من تركيا، وبهذا كانت أولى رسائل بوتين من سورية، موجهة إلى تركيا، وقد حقق الروس نجاحات على الأرض، واستعادوا مناطق مهمة من جبلي التركمان والأكراد لصالح النظام السوري.

أدركت تركيا أن القطيعة من روسيا لا تفيد، وشعرت روسيا بالحاجة لإعادة العلاقات الاقتصادية مع تركيا، خاصة وأنها تُعاني من عقوبات أميركية وأوربية، بسبب قضية أوكرانيا، فجرى التواصل بين الطرفين، وتم الاتفاق على صيغة “الأسف” الشهيرة، كحل وسط بين الاعتذار، ورفض الاعتذار، وأعيدت العلاقات بين الطرفين.

تنبأ كثيرون بأن هناك اتفاقًا ما جرى بين الأتراك والروس حول سورية، وعلى الرغم من نفي الطرفين لوجود اتفاق من هذا النوع، وتأكيد الطرفين على بقاء الخلاف على ما هو عليه، فإن هناك إصرارًا على وجود اتفاق ومقايضات.

في الحقيقة أن الروس لم يغيروا هدفهم في سوية، وإذا ما أردنا المقارنة بين وضع النظام السوري قبل تدخلهم، ووضعه الآن، سنجد أنه قد حقق تقدمًا كبيرًا في كثير من المناطق، بدءاً من شمال اللاذقية، ووصولًا إلى درعا، ومرورًا بريف دمشق وحمص وحلب… وكل هذا التقدم تحقق بفضل القوات الروسية.

تقدم النظام على حساب ما بات يُسمى “المعارضة المعتدلة”، يعني بشكل من الأشكال تقهقر النفوذ التركي في سورية؛ لأن هذه المعارضة مدعومة -بشكل رئيس- من تركيا، أو من دول أخرى يصل دعمها هذا عن طريق تركيا.

على الرغم من الرسائل المطمئنة والمهدئة، بين الطرفين الروسي والتركي، ولكن الأمور على الأرض لا تسير كما يرد في التصريحات. فالقصف الروسي يتوسع؛ ليشمل كل البنى التحتية والأسواق الشعبية، والقوافل الإغاثية وصولًا إلى المستشفيات ومصادر المياه في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، والهدف منه قتل الحياة ومصادرها من أجل إعادة تسويق “النظام السوري”.

ما حققه الروس بقصفهم على مدى سنة على الأرض مهم جدًا للنظام، ولكن أهميته تعد أضعافًا مضاعفة على الصعيد المعنوي، فقد استعاد النظام شيئًا من الحالة المعنوية المنهارة، وشعرت المعارضة المسلحة بالإحباط مما يجري من تدمير ممنهج.

في المقابل، خطا الأتراك خطوة مهمة بالدخول في شمال حلب، والقضاء على (داعش) في تلك المنطقة؛ من أجل كسب مشروعية دولية لحضور أكبر. ولكن القوات السورية التي تعمل بغطاء ناري تركي مازالت ضعيفة، ولا يمكنها التفوق على (داعش)، أو حتى (قوات سورية الديمقراطية) الموجودة في منبج، كما هو مخطط لهذه القوات، فكيف لها أن تحسم المعركة؟

بالطبع أن الأتراك يدركون هذا، ولذلك فقد حشدوا واحدًا وأربعين ألفًا من جنودهم على الحدود من أجل حسم المعركة هناك. ولعل الأيام القليلة القادمة تبلور الوضع بشكل جلي أكثر.

لا يمكن عدم ربط الدخول التركي إلى شمال حلب، بالهجمات المسعورة التي تقوم بها الطائرات الروسية على حلب الشرقية، كأن هناك سباقًا بين القوتين على تحقيق منطقة نفوذ أكبر. ولكن الأوراق التي بيد الروس هي أقوى من تلك التي بيد الأتراك، وفيما لو حقق الروس هدفهم بتدمير حلب الشرقية، واستعادتها لصالح النظام، فسيحدث شرخ معنوي يصعب تلافيه.

صحيح أن الأتراك دخلوا في مشروعية قوات التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، ولكن هذا يحدد أهدافهم، ويكبل حركتهم، على الرغم من أنهم تحت مظلة مشروعية دولية. بينما الروس دخلوا باسم “النظام السوري”، و”النظام السوري” هو صاحب الشرعية الدولية حتى الآن، لذلك؛ فإن حركتهم تحظى بحرية أوسع، وتتنوع الأهداف.

بعد مرور سنة على الدخول المباشر العلني الروسي في سورية، تحققت نجاحات مهمة لصالح النظام، وبعد مرور شهر على دخول قوات الجيش السوري الحر إلى جرابلس بدعم ناري تركي -أو بمعنى آخر الدخول التركي في علمية درع الفرات- أعاد هذا الجيش حضوره على الساحة العسكرية السورية، ولكن تأثيره على النظام بقي محدودًا، وهو لا يتجاوز خروج منطقة صغيرة من سورية عن سيطرته، ووضعها تحت حماية دولية غير معلنة.

أمام تركيا خيارات صعبة، ولابد لها من الإسراع كثيرًا، وإيجاد تفاهمات دولية تمنحها حرية أكبر نسبيًا من أجل التخلص مما يمكن أن يسببه لها التدخل الروسي من ضربة تؤثر على عمقها الاستراتيجي بقوة، لأن الهدف النهائي للروس هو إعادة المشروعية للنظام السوري، وهذا لن يتفق مع المصالح الاستراتيجية التركية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق