مقالات الرأي

روسيا بين مرحلتين: من البيروقراطية إلى المافيا

يوم كانت الدبابات الروسية، وراجمات الصواريخ التي يُرْمز لها، تحبُبًا، باسم “أرغن ستالين”، تَصبّان حممهما فوق مرتفعات عين طورة وصوفر وبحمدون، مستهدفة مواقع المقاومة الفلسطينية وقوات الحركة الوطنية اللبنانية، في سنة 1976، كان ثمة متَسع للوقت، في جحيم الاجتياح الأول الذي قام به جيش حافظ الأسد للبنان، ليكتُب شاب لبناني يساري قصته المُعبّرة عن ملامح تشي ببدء الانهيار الذي تتجه نحوه روسيا السوفياتية؛ إنه الكاتب والإعلامي اللبناني “ربيع فواز”. وأصدر مجموعته القصصية الأولى ذلك الوقت، وبحسب علمي لم يصدر له سواها، وكانت قصته الأخَاذة والمدهشة والموجعة بآن، تدور كحوار بين عامل سوفياتي، يعمل في مصنع للدبابات، وبين دبابة حديثة، يضع لمساته الأخيرة عليها، ويوصيها بأداء الدور المعوَل عليها القيام به، إنه “دور الدفاع عن الشعوب بوجه الإمبريالية”.

 

في حينه كان السجال مفتوحًا على أبعد مدى، داخل “العائلة الماركسية”، و”الماركسية اللينينية” و”الماركسية التروتسكية”، و”الماوية”، و”الغيفارية”، حول مصير الاشتراكية في روسيا، وصمودها بوجه الإمبريالية، وهل تقف بالفعل، روسيا السوفياتية إلى جانب الثورات في العالم؟

كان الدرس السوداني في العام 1971، ماثلًا ومؤلمًا، في تحالف الطغاة، حكام ليبيا ومصر والسودان ومعهم حافظ أسد، الذي كان حليفًا لمن هم على الشاكلة نفسها، حينها ذبح النميري الشيوعيين والنقابيين في السودان، ووقفت موسكو صامتة دون أن تحرك ساكنًا، على العكس بقيت متحالفة بقوة مع تلك الأنظمة، تحت الراية المخادعة، لتبرير الدعم للأنظمة العسكرية القمعية، راية” طريق التطور اللا رأسمالي”، للوصول إلى الاشتراكية.

 

في لبنان الذي اجتاحه حافظ أسد، كانت إسرائيل راضية تمامًا عن دوره، لأنه يُنفّذ ما تسعى إليه، وكل ما كان السوفيات يقومون به هو استقبال وفود فلسطينية ووطنية لبنانية، وفي الوقت نفسه، كان نظام الطاغية في “أحضانهم”، بحسب اعتقادهم، وطرح الموقف السوفياتي هذا، داخل القوى والأحزاب “التقدمية” العربية، والفلسطينية اللبنانية تحديدًا، أسئلة كبيرة ومهمة حول مكانة روسيا بالنسبة للثورات وحركات التحرر؛ لقد مالت الأجوبة -عامة- إلى فقدان الثقة في استمرار الرهان على “القطب الاشتراكي”، وكل تيار فرعي من التقدميين، أنتج مقولاته التي تدعم موقفه في انتهاء الرهان على السوفيات كسند لحركات التحرر.

 

قصة ربيع فواز المشار إليها، قاربت الموضوع، من خلال مخيلة أدبية، تأسست عنده على تلمُّس أزمة روسيا السوفياتية البيروقراطية؛ فبينما العامل (مكسيموف أو الكسندروف أو..)، لم أعد أتذكر اسمه في القصة، يملؤه الأمل بالأيديولوجيا الأممية في دعم حركات التحرر بوجه الإمبريالية، كان البيروقراطيون الروس، يمارسون الغش في علاقاتهم الأممية، ويتخلون عن دعم الثورات والحركات التحررية.

 

على فولاذ الدبابة الحديثة، مرَّر العامل السوفياتي لمساته من راحتيه، وأطلق على مسامعها كلمات يُعبِّر بها عن مشاعر الإيمان بمقاومة الإمبريالية، وأوصاها بأن تؤدي دورها في قتال أعداء الشعوب، وهو لم يعرف أن الطراز الحديث (T 72)، التي دخلت الخدمة سنة 1976، سيكون أداة فتك بالشعوب في المقبل من الأيام. تمامًا كما الطراز الأقدم من الأسلحة المختلفة التي تتسلح بها أنظمة القمع والاستبداد.

وبالفعل نزلت الدبابة (ت-72) في النصف الثاني من سنة 2011 إلى شوارع المدن السورية؛ لتقصف المدنيين وبيوتهم ومعاملهم ودكاكينهم ومستوصفاتهم ومدارسهم، ولم تؤدِّ الأمانة التي حملَها إياها مكسيموف، لقد عملت ضده، دون أن يدري أن عرقه ولمساته على الفولاذ ستقولان كلامًا آخر، لا علاقة له بوصيته.

 

ماذا سيقول أبناء هذا العامل، أو ربما أحفاده، وهم يُشاهدون ما هو أفظع من تسليح الطغاة؟ فبوتين، سليل أسوأ أوكار البيروقراطية السوفياتية (K.G.B)، يقوم بإدخال روسيا في الحرب ضد الشعب السوري، دعمًا للطاغية حتى لا ينهار، ويُحرِّك أقوى أنواع الأسلحة الروسية، الجوية والصاروخية، بتقنياتها التي لا تزال حديثة قيد التجريب، ليزجها في أبشع جريمة في التاريخ، تشارك فيها روسيا ضد شعب، ينشد الحرية وإنهاء الاستبداد الفاشي لعائلة الأسد الطائفية البغيضة.

 

سيقول بعض “العقلانيين”!، أدعياء الواقعية، وفكرة أن المواقف تحركها المصالح: إنّ دخول بوتين في الحرب في سورية له أجندة، يتنافس فيها لأخذ مكان لائق لمصالح روسيا كدولة عظمى، في صراعها الكوني! إن كلامًا كهذا يفتقد أدنى القيم الأخلاقية على الإطلاق، فإذا كانت مكانة روسيا تتأسس على بقاء الطاغية القاتل للشعب السوري، وعلى مشاركته في عملية القتل الوحشية والتدمير الجهنمي للمدن السورية، مع ممارسة أسوأ المواقف في المحافل الدولية، والانحطاط الإعلامي إلى فبركة الأكاذيب للنيل من الثورة السورية، وفي غضونه القيام بالتنسيق مع طهران وواشنطن، أسوأ ما في المنظومة الإقليمية والدولية، فأي مكانة لروسيا سيصنعها بوتين؟ وهل سيتحمل الشعب الروسي، وشعوب الاتحاد الروسي، العبء الأخلاقي والتاريخي الذي علَقه رئيسهم الفاشي على عنق مستقبلهم؟

عودة إلى أحلام العامل الروسي الذي كتب عنه ربيع فواز قصته، ومغزاها عن تعفن الجسد البيروقراطي السوفياتي، فلقد جاءت هزيمة القوات الروسية في أفغانستان، لتفتح الطريق لنهاية ذلك الجسد بالإعلان المدوِي للبروسترايكا، لكنها كشفت عن انحطاط في كامل البنية السياسية في روسيا، ولم يتحقق الإصلاح والتجديد، فمع السكير يلتسين، الذي ورثه رجل المخابرات بوتين، ليؤسس سلطة أسوأ مافيا عرفها تاريخ على امتداد عصر الدول الحديثة، مضت روسيا، بعلامة ما ارتكبه بوتين في سورية، إلى مجاهل التاريخ، كما وأنتجت ظواهر الدمار الاقتصادي والأخلاقي، بانتشار التجارة بالرقيق الأبيض لعشرات آلاف النساء من شعوب “اتحاد الجمهوريات السوفياتية”.

 

لن تكون سورية كما يُرتّب لها بوتين، تحت حكم الطغاة الفاشست، وسوف لن يتاح لشعوب الاتحاد الروسي الافتخار بتاريخهم في عصر بوتين، لا كرامة لروسيا مع بقائه ممسكًا بها، وسيصحو أحفاد العامل الروسي، الذي أوصى الدبابة خيرًا بالشعوب، على واقعهم ويقدمون الاعتذار للعالم، وأوله الشعب السوري، على ما ارتكبه قادتهم من مجازر وحشية بحقه.

 

أما روسيا التي أصبحت أكبر دول العالم في تصدير الرقيق الأبيض، بعد هزيمة البيروقراطية السوفياتية في أفغانستان، وانحطاط البروسترايكا؛ ليرثها بوتين والمافيا المحيطة به، فليس أمام شعوبها، إن استمر بوتين متحكمًا بمقدراتها، سوى بيع أعضاء أجساد البشر، كقطع غيار في البلدان التي تملك المال.

متى سيكتشف الإنسان الروسي أن بوتين يقتله أيضًا في سورية، وإن ببطء وبأدوات غير مباشرة؟ الأكيد سيكتشف ذلك، وإن بعد فوات الأوان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق