مقالات الرأي

عام على التدخل العسكري الروسي في سورية القيصر بوتين (عاريًا)

في مثل هذا اليوم 28 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي 2015، حصل التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، الأمر الذي اعتبره بعضهم الأسوأ بالنسبة لمؤيدي الثورة وبيئتها الحاضنة، وهو كذلك فعلًا.

 

جاء التدخل إثر “خطاب الهزيمة” أواخر الشهر السابع من العام نفسه، حيث أقر بشار الأسد بعجز جيشه والميلشيات الإيرانية المتحالفة معه، عن استعادة كافة الأراضي التي خسروها، معلنًا نيته الاحتفاظ بمناطق دون غيرها، في تلميح واضح إلى ما يُعرف بـ “سورية المفيدة”.

ما بين اعتراف الأسد بالعجز وتدخل روسيا العسكري، استقبلت موسكو وفدًا إيرانيًا، يلتمس منها إنقاذ “رجلهما” المفضل من السقوط، إثر هزائمه العسكرية المدوية في مختلف الجبهات، خصوصًا في الساحل والشمال والجنوب، على مشارف العاصمة دمشق، وذلك بحسب المصادر الإيرانية ذاتها.

ما كان لبوتين أن يرسل ما تيسر له من طائرات وعتاد وقوات، لولا الطلب الإيراني الرسمي، وما يحمله من “بوليصة تأمين”، بعدم تحول ميلشياتها التي تسيطر على الأرض، إلى مصيدة استنزاف للوجود الروسي هناك؛ إذ لا يخفى على أحد أن رجحان كفة إحداهما، ستكون حتمًا على حساب الأخرى، ولا سيما مع تضارب مصالح الدولتين في سورية، على المدى المتوسط، كأبعد تقدير.

لكن “بوليصة التأمين” الأهم بالنسبة لبوتين هي “لأميركية”، وإلى أي حد ممكن أن تذهب واشنطن في تكرار السيناريو الأفغاني، الذي لا تزال موسكو تحسب له ألف حساب.

ما يدركه الرئيس الروسي جيدًا، أن بلاده ليست قوة عظمى عسكريًا واقتصاديًا، إلا بما تسمح فيه الولايات المتحدة الأميركية، لا أكثر ولا أقل. وهذه الأخيرة في عهد أوباما، أغرقت العالم وليس روسيا وحدها، برسائل التبشير بـ “أميركا جديدة” تنسحب من عالمها القديم وتعقيداته، نحو مصالح وأعداء وتحالفات مختلفة. بل لعل بوتين اختبر انهزامية أوباما بنفسه، سواء في الملف السوري حين لحس الرئيس الأميركي خطه الأحمر أواخر عام 2013، بتراجعه عن ضربة عسكرية لجيش الأسد مقابل تسليم الأخير للسلاح النووي، أو حين أقدم بوتين بشخصه على سلخ جزيرة القرم من أوكرانيا، وإعادة ضمها إلى روسيا، أوائل عام 2014، أو من خلال متابعته الدقيقة لمجريات مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، والتي توّجت بالتوقيع في أيلول/ يوليو 2015، أي: قبل نحو أسبوعين من إعلان موسكو اقتحامها “الحالة السورية” عسكريًا.

لا شك في أن “الكاريزما” التي يتمتع بها الرئيس بوتين وتاريخه المخابراتي، يلعبان دورًا حاسمًا في صناعة قراراته، بيد أن اللعب مع القوة العظمى الأقوى، وربما الوحيدة في العالم، يحتاج إلى شجاعة وذكاء لا ينقصان الرجل، بغض النظر عن جدية وحجم المطمئنات التي بحوزته.

لدى بوتين هوس بالسلطة و”أنا” متضخمة، وتحتاج سلطته الداخلية، إلى تكريس صورة الرئيس الاستثنائي، والبطل المُخلّص، في ذهنية المواطن الروسي، الذي تدغدغ شعوره القومي فكرة استعادة أمجاد روسيا القيصرية، أو مكانة الاتحاد السوفياتي على الخارطة الدولية؛ لذا، لا غرابة في أن تتمحور بروباغندا السلطات الروسية، حول هاتين الفكرتين أساسًا، بما فيها الترويج إعلاميًا للقب القيصر، أو في إضفاء عنصر المفاجأة على قراراته، وما يفرضه من صخب إعلامي – دعائي.

عمومًا، يصبّ التدخل الروسي العسكري، في سياق بروباغندا العظمة، والمصالح العليا، والأمن القومي، الذي بات -بدوره- جزءًا لا يتجزأ من الأمن العالمي، في مواجهة الإرهاب الدولي، وهذه الذريعة كافية للدخول في جدل لا ينتهي مع الدول المعترضة الكبرى وغيرها، على مشروعية إرسال بوتين لطائراته وقوات إلى منطقة مستباحة في الواقع، من معظم تلك الدول، وتحت ذات الراية الذريعة (مكافحة الإرهاب)، مدعمة بنظرية أن من شأن التدخل العسكري تأمين الزخم المطلوب لاستئناف التفاوض السياسي بين “السوريين”، ولا تزال الذريعتان تغطيان مشهد الدم والدمار المتواصل في سورية، بعد عام على التدخل، الذي حدد بوتين سقفه الزمني بنحو ثلاثة أشهر.

 

لم تكن في حسابات بوتين -حينذاك- مخاوف كبيرة من عواقب تدخله عسكريًا، في حال تجاوزه فخًا محتملًا لزجه في مستنقع عسكري سوري شبيه بالأفغاني، وهو ما نجح فيه حتى الآن، لكنه -بالمقابل- لم تكن لديه على ما يبدو “استراتيجية مُحكمة” للوصول إلى هدفه، بوضع اليد عسكريًا على مصالحه المتمركزة في الساحل (قواعد عسكرية وخطوط غاز ونفط مستقبلية نحو أوروبا)، وإعادة الدور لمركزية موسكو الدولية، وهو ما أُنجز فعلًا، ثم تأمين وتثبيت تلك المصالح، وهذا ما توهم بوتين أن بالإمكان تمريره على طاولة المفاوضات، عبر التصعيد العسكري من خلال “حكومة وحدة وطنية” أو “ثلاثة نواب للرئيس”، ولعل الأرجح أن هذين الطرحين كانا مجرد محاولة، تسبق الخيار أو التصور الموجود مسبقًا وهو “سورية الفيدرالية” التي تُغلف عمليًا ثلاثة كانتونات على الأقل (سورية المفيدة، والحكم الذاتي الكردي)، في حين أن ما تبقى جغرافيًا، يصعب بالفعل رسم ملامح لشكله، أو عدده، أو وضعه السياسي والأمني مستقبلًا.

هذا المخطط، أو خارطة الطريق، ليست بعيدة عن الولايات المتحدة، ولا عن تركيا بعد السماح لها -روسيًا- بإدخال دباباتها إلى الميدان السوري، ثم إعلان ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية (أمس) انسحابها إلى شرق الفرات، ما يُجدد الجدل والشكوك حول تفاهمات جرت تحت الطاولة بين أنقرة وموسكو، بشأن سورية.

 

الواقع، أن كل ما يجري أكان سياسيًا أم عسكريًا في حلب وإدلب، أم تهجيرًا ديموغرافيًا في ريف دمشق وحمص، منذ إعلان الهدنة الأولى الفاشلة برعاية روسية – أميركية، في 27 شباط/ فبراير الفائت، يُشير نحو “سورية الفيدرالية”، التي يتوزع فيها النفوذ على روسيا – إيران – الولايات المتحدة – وتركيا إلى حد ما، مع تهميش العرب ومصالحهم ودورهم كليًا، وعندئذ على السوريين أن يختاروا ما بين سورية أكثر مركزية بقليل (فيدرالية مقنعة) يقودها الأسد، أو سورية (فيدرالية مُعلنة) شبه مقسمة بدونه، وفي الحالتين لا يمكن الوصول إلى “سورية المطلوبة”، بوجود فصائل عسكرية قوية غالبيتها إسلامية؛ لذلك، لا بد من سحقها عسكريًا، وأولها جبهة فتح الشام (النصرة) سابقًا، يليها (أحرار الشام) يتبعهما (جيش الإسلام) وغيره، وهو ما فشل لافروف في التوصل إليه مع كيري، تحت يافطة التنسيق في الحرب على الإرهاب، خلال مفاوضات “هدنة شباط” بشأن (النصرة) تحديدًا، ثم نجاحه في تحقيق اقتناص فرصة من الصعب تعويضها، خلال مفاوضات الهدنة الأخيرة التي بدأت في 13 أيلول/ سبتمبر، لكن سرعان ما انهار تفاهمه الثمين مع كيري؛ إذ إن واشنطن التي تتشارك مع موسكو في جوهر (الفيدرالية)، تختلف معها -ربما- في التفاصيل، والمؤكد بالتكتيك، حيث تحتاج إدارة أوباما (البطة العرجاء) حاليًا، إلى المضي في سياسة تقطيع الوقت المتبقي لحين مغادرتها البيت الأبيض، دون تكبيل الإدارة المقبلة، باتفاق نهائي ملزم، لذا سارعت للانقلاب على اجتهادات وزير خارجيتها كيري، بقصف جوي لقاعدة عسكرية تتبع جيش الأسد، قرب مطار دير الزور في 18 أيلول/ سبتمبر الجاري، وهي رسالة ردت عليها موسكو بشكل عاجل، حين قصفت قافلة الإغاثة في ريف حلب، قبل أن تستأنف سياسة الأرض المحروقة في قصفها الأحياء الشرقية في مدينة حلب، ومناطق في ريفها وصولًا إلى إدلب، وباستخدام أسلحة محرمة دوليًا، بعضها يتم تجريبه لأول مرة في سورية، التي حولتها موسكو إلى ميدان من لحم ودم، لاختبار فاعلية أسلحتها، وإلى منصة لتسويق منتجاتها الحربية.

لا تزال روسيا مُصرّة على إنجاز شيء قبل رحيل أوباما – كيري، ومنها السعي الحثيث على الأرض نحو الفيدرالية، حيث تمت برعايتها -أخيرًا- مفاوضات مباشرة بين مسؤولي ما يسمى “مجلس سورية الديمقراطية”، وبين ممثلين عن الأسد في قاعدة حميميم الجوية الروسية، قرب جبلة، للتباحث حول الفيدرالية، وبالتزامن مع اقتراب موعد إعلانها في “أقاليم الجزيرة” في غضون الأيام المقبلة، بحسب المُقرر سابقًا.

لكن، لا يعني هذا، أن بوتين اقترب من تحقيق أهدافه، أو من إعادة تفصيل سورية على مقاس مصالحه، كما من الواضح أن حسابات حقله لم تنطبق على حساب البيدر، إذ فوجئ الرجل، بأن جيش الأسد والميليشيات الشيعية التابعة لإيران عاجزون عن استعادة السيطرة على المناطق، أو الإمساك فيها لفترة طويلة، أو الصمود في وجه فصائل المعارضة المقاتلة، دون تدخل مباشر من الطيران الحربي الروسي، الذي يجد نفسه متورطًا باتباع سياسة الأرض المحروقة، ومتهمًا بارتكابه جرائم حرب، علاوة على زيادة الأعباء المادية في ظل ضغوط، تكاد تعصف بالاقتصاد الروسي، مع استمرار تدهور أسعار النفط، فضلًا عن سوء تقديره لمدى أهمية سورية، بالنسبة للاعبين الإقليميين، وما يعدّونه مساسًا خطِرًا بأمنهم القومي (السعودية – تركيا – إيران – إسرائيل)، وكل واحدة منها عاجزة عن الحسم، وقادرة على تخريب أي اتفاق بمفردها، وبتجاهل فعلي لرغبات وأوامر واشنطن، التي أدارت ظهرها لهم، وفوق هذا وذاك هناك تعقيدات وتداخل المجتمع السوري، سكانيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، الأمر الذي بهدد بفشل محاولات التغيير الديمغرافي، الذي يتناوب عليه كل من الأسد على أساس طائفي، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني على أساس قومي فاشي.

 

ما يبدو، في خلفية المشهد أن القيصر بوتين عالق في رمال سورية المتحركة، لا يستطيع المضي قدمًا إلى ما لا نهاية في الخيار العسكري، ولا يستطيع الانسحاب معلنًا الهزيمة، ولا يستطيع المساومة عليها في الملف الأوكراني، ولا يستطيع فرض “تصورات” تستجيب لمطالب إيران، وتتجاهل مصالح أنقرة أو الرياض، وهذه الأخيرة ليست بعيدة عن معارك حماة، ورسائلها السياسية، أو عن إعلان هيئة المفاوضات رفضها “الرعاية” الروسية للحل السياسي؛ بسبب عدم “حياديتها”، ولا يضمن أن تتكرر ظاهرة الثنائي أوباما – كيري، أو استمرار الفيتو الأميركي على تزويد مقاتلي المعارضة بالصواريخ المضادة للطائرات.

 

كذلك، لا يستطيع بوتين -على المقلب الأخر- دفع الأسد إلى الرحيل دون قبول طهران، ولا يستطيع تدبير انقلاب داخلي ضده، بسبب إبعاد أو تصفية كل بديل محتمل منه، إنما ما يستطيع بوتين التلميح إليه تولاه بالنيابة عنه المندوب الروسي الدائم في مجلس الأمن الدولي، فيتالي تشوركين، عندما أعلن أن “الحل في سورية شبه مستحيل”.

ثمة مستحيل أخر، وهو أن تُظهر “كاميرا ما” الفارق بين صورة القيصر بوتين المنتشي بالدعاية الأسطورية التي رافقت تدخله العسكري في سورية، قبل عام تمامًا، وبين صورته اليوم يمشي عاريًا، من أي ورقة توت، تستر عجزه السياسي والعسكري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق