تحقيقات وتقارير سياسية

المساعدات الممنوعة عن السوريين تُظهر تراخي الأمم المتحدة وسطوة موسكو

تقف قيمة الأمم المتحدة، كمرجعية كل المظلومين من أجل الخلاص، على المحك اليوم، ولا سيما وسط انتشار شلال الصور ومقاطع الفيديو عبر شبكات التواصل، والتي تُظهر الدم السوري المسفوك في حلب السورية، وتَعرض جوعًا يعاني منه الناس في المدن السورية يحبس الأنفاس من هوله.

 

وتأتي هذه الأزمة “الوجودية” لقيمة الأمم المتحدة؛ نتيجة مخالفتها أهم القرارات التي صدرت منها في قاعاتها، خصوصًا القرارات الإنسانية التي أبعدت الإنسان السوري المدني عن دائرة المعارك، واعترفت بحقه في الحصول على المساعدات، دون موافقة من الأطراف المتحاربة.

 

وكان قد صدر، الإثنين 14 تموز/ يوليو 2014، عن مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2165، والذي ينص على السماح للوكالات الإنسانية بإدخال المساعدات إلى المدن السورية، عبر المعابر التي تسيطر عليها المعارضة دون الرجوع إلى نظام الأسد وأخذ موافقته.

وعلى الرغم من نفَس الصُعداء الذي جال في سماء المدن التي تخضع للمعارضة السورية، إلا أن أرض الواقع كانت مختلفة، إذ إن الأمم المتحدة باتت تطلب ما أسمته “ضمانات” من “النظام السوري” لوصول المساعدات، وتنتظر منه الاستجابة دون أن تُحرك القوافل؛ ما أعاد الحال إلى مربع صفر، وكأن القرار لم يصدر.

 

الأمم المتحدة تُثبّت شرعية الأسد

أثارت تصريحات المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، بأنه ينتظر الإذن من “النظام السوري” لإدخال المساعدات إلى أكثر من ربع مليون سوري يعيش تحت الحصار في حلب، سُخطًا في أوساط المعارضة، واتهامات صريحة منهم للأمم المتحدة والمبعوث الأممي بالتواطؤ مع “النظام”.

فقد كتب المستشار القانوني للجيش السوري الحر، أسامة أبو زيد، عبر صفحته في شبكة التواصل الاجتماعي يوم 14 أيلول/ سبتمبر الجاري: “إن تصريح دي مستورا، الذي قال فيه: إنه يأمل أن يعطي “النظام” التصريحات اللازمة لدخول المساعدات الإنسانية إلى حلب، فيه مخالفة لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 2165… ويعبر هذا الأمر عن نيات دي مستورا في إعطاء الروس و”النظام” هامشًا جديدًا للمناورة”.

 

وقالت مرح البقاعي، عضو اللجنة الاستشارية للهيئة العليا للمفاوضات، لـ (جيرون): “إن القرار بإيصال المساعدات، صادر عن الأمم المتحدة، التي ما زالت تستقبل ممثل “لنظام السوري” في مجلس أمنها، بل واستقبلت قبل أيام، ممثل رأس (النظام) المتهم بجرائم حرب، وزير خارجيته وليد المعلم، وأعطته منبرًا للتعبير عن أوهامه، ونقل شتائمه للدول التي ساعدت الشعب السوري الذي يُعتدى عليه كل يوم”، وتساءلت “ماذا ترتجي من منظمة كهذه، مهترئة وغير قادرة حتى على إلزام “النظام” بقراراتها؟!”.

من جهته، قال مصدر مطلع على أكثر من عملية تفاوض من أجل إدخال المساعدات: إن “إدخال إرادة “النظام” في إيصال المساعدات إلى السوريين، يعني فقدان كل شيء، ولا يمكن ربط حقّ الناس في الحصول على أهم مقومات البقاء بإرادة “النظام”، الذي هو بالأصل يقتلهم، وهذا يعني صكّ شرعية جديدة للنظام”.

 

وأضاف: “يحاول “النظام” أن يربط كل أنواع الخلاص السوري بيده، ليقول للسوريين: إن مقومات بقائكم في يدي، وعلى المعارضة أن تلعب معه في ذات المحور، بأن تضعه أمام حقيقة أن عرقلة دخول المساعدات للمدنيين المحاصرين العُزّل هي جريمة حرب، ولا ينبغي أبدًا الركون إلى إرادته في هذه الأمور”.

 

إلى ذلك قال الكاتب الصحافي مصعب سعود لـ (جيرون): “إن انتظار الأمم المتحدة الإذن والموافقة من “النظام”، هو حجة تتبعها الأمم المتحدة لإبقاء “النظام” في صورته الرسمية، وللاعتراف بأنه الطرف الأساسي بأي مفاوضات أو حل للقضية السورية”.

وأضاف: “كانت روسيا قد وافقت عام 2014، على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالموضوع الإنساني، والتي تُلزم “النظام” والفصائل المقاتلة بتأمين طُرق للقوافل الإنسانية ووقف القصف، لكن منذ أن دخلت روسيا في الحرب، أصبح الأمر مختلفًا، فما كان مسموحًا، أصبح اليوم غير مسموح به، وروسيا اليوم هي صاحبة القرار وليس “النظام””.

 

مساعدات حلب غُمرت بالدماء

مازالت المساعدات الأممية تقف عند الحدود السورية – التركية، بانتظار موافقة “النظام” لدخولها، أو يمكننا القول بانتظار موافقة موسكو، وسط مخاوف من فساد الأغذية الموجودة داخل الشاحنات، ووسط مخاوف من إعادة “النظام” قصف قوافل المساعدات من جديد، بعد أن قصف -قبل عدة أيام- قافلة مساعدات كانت متجهة إلى حلب، وقتل أكثر من عشرة متطوعين في الهلال الأحمر السوري، وأُغرقت المساعدات بدمائهم.

ما يحصل في حلب هو إدخال للجانب الإنساني في الاشتباك السياسي والعسكري، ففي حلب نرى أن تأخير وصول المساعدات هو نتاج اشتباك سياسي إقليمي دولي حول سورية، ومن المفترض أن يعمل السوريون الموجودون في حلب على تحييد أنفسهم عن المعارك، وعدم الانخراط في الاشتباك السياسي من أجل إدخال المساعدات، وهذا يُعقد العملية ويجعلها جزءًا من معادلة توافقات دولية.

 

إلا أن البقاعي أكدت أن المعارضة كل همّها “حماية المدنيين أولًا، وتأمين الدعم الإنساني لهم في أسرع وقت، بل فورًا ودونما تأخير”، واستدركت أن “الطرف الذي يربط إدخال المساعدات بالحل السياسي هو روسيا حليفة “النظام” للأسف الشديد، وضعف الموقف الأميركي جعل موسكو تنفرد بالملف السوري عسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، والشعب السوري يدفع الثمن”.

 

كما رأى سعود أنه “عندما نجد أن هناك تقارب في التوجه الروسي – الأمريكي على الأرض، خصوصًا التوجه الذي يرغب به الروس تُجاه وسم كل المعارضة بأنها معارضة متطرفة، سنرى أن المساعدات يمكن أن تصل إلى مناطق الحصار، ولكن مع أي خلاف في هذا التوجّه بين الطرفين، نجد أن قوافل المساعدات الإنسانية تُمنع من الدخول إلى هذه المناطق”.

 

وأكد أن “دخول المساعدات ليس مرهونًا بموافقة “النظام” كما يعدّ بعضهم، لأنه ليس هو صاحب القرار على الأرض، بل روسيا هي صاحبة القرار والسلطة”، وأوضح أن “الطرح الروسي بدخول المساعدات عبر طريق الكاستيلو إلى المناطق المحاصرة في حلب، هو من حيث المنطق حل يصبّ في صالح “النظام””.

من الواضح أن روسيا دفعت بكل “خبثها” السياسي لخلط الإنساني بالعسكري، وربطت مفهوم إطعام المدنيين بالتوافقات السياسية والإقليمية، وجعلت ثمن أي خرق لقواعد الاشتباك السياسي، الذي وضعته هي، هو دماء السوريين فحسب. ولعل قصف قافلة المساعدات الإنسانية في حلب هو تهديد للأمم المتحدة نفسها بعدم تجاوز الخط الروسي الأحمر.

 

الموافقة الروسية لا موافقة “النظام” هي الطلب

وسط عراك “التصريحات” واشتباك “المفاهيم” بين كل من واشنطن وموسكو، يرى كثير من السوريين أن الحل الأمثل هو الدخول في هدنة عامة في البلاد، على أن تكون مُلزمة، في حين يرى آخرون أن الطريق الأقصر إلى إدخال المساعدات هو الحصول على موافقة الروس شخصيًّا، وهو ما تشير إليه البقاعي بقولها: إن الحل هو عبر “هدنة شاملة وليست جزئية مدعمة بعقوبات أممية على من يخترقها، والعودة إلى العملية السياسية تحت مظلة القوانين الدولية وأهمها القرار 2254”.

 

إلا أن سعود يرى أن الحل يكمن في “موافقة الروس، فإذا وافقت موسكو ستصل المساعدات دون الحاجة للرجوع للنظام، وكل المحاولات التي تجري اليوم من أجل حل هذه المشكلة تتم مع الجانب الروسي، حتى موضوع المصالحات وإخراج المعارضة من حي الوعر في حمص إنما تم التوصل إليه مع الروس وليس مع “النظام””.

 

وأضاف “تشتت فصائل المعارضة هو أحد أسباب الإعاقة تجاه الوصول إلى اتفاقات، فبعض الفصائل لا تلتزم بأي شيء، وهذا الأمر يُسبّب معضلة في أي اتفاق دولي، وتوحّد كل الفصائل في غرفة عمليات واحدة هو الحل الأمثل لضمان الاتفاق من جهتهم في إدخال المساعدات الإنسانية”.

الملفت للنظر، أن كل الحلول التي استطلعتها (جيرون) مع مراقبين للوضع السوري، إنما تُركّز على روسيا، وتؤكد على أن “النظام” لم يَعد جزءًا من المعادلة السياسية، ولا مُحركًا لدفة الاتفاقات، وكأن روسيا لم تدخل البلاد عسكريًّا فحسب، بل أخذت كل خيارات الشعب السوري، وصار مفتاح وقف سفك الدماء عندها، ولا يُمنح إلا بتأمين مصالحها

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق