قضايا المجتمع

المرحلة الانتقالية قضايا ومهمات

الشعب في سورية -بأغلبيته الساحقة- يتطلع إلى مرحلة انتقالية (من… إلى…)، لكنه يدرك -في الوقت ذاته- أن قوى دولية وإقليمية تمتلك وتوجه وتدير وتسلح جماعات محلية، إضافة إلى قواتها الضاربة في البر والبحر والأجواء السورية، تعمل بقواها الكاملة وأجهزتها؛ لإجهاض تطلعات الشعب في سورية، إلى مرحلة انتقالية تنتقل به إلى دولة المواطنة والعدالة والمساواة والسيادة.

نحن سنفترض أن الشعب السوري سيتمكن -في نهاية المطاف- من أن يشق طريقه إلى مرحلة انتقالية، يرسم هو ملامحها، ويؤسس استراتيجيًا -من خلالها- لدولة الحرية والمواطنة والعدالة والتقدم والمساواة، وهنا نواجه سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن لهذا الشعب المحاصر من جميع الجهات، والذي يتعرض لعدوان لا مثيل له في التاريخ، من شق طريقه إلى مرحلة انتقالية، تؤدي به إلى التحرر والحرية، واستعادة قيم المواطنة والعدالة والمساواة والنهوض.

هناك من ينفي هذه الإمكانية على الفور، ويرى المراهنة على شعب لا حول له ولا قوة، قد خرج القرار من يده، وأن القرار بات بيد قوى الهيمنة الدولية والإقليمية، وفي هذه الحالة، فإن أي حديث عن الشعب وإرادة الشعب حديث طوباوي غير منتج.

في حال استسلامنا لهذا الرأي الذي يستند إلى مجريات الأحداث في الواقع الموضوعي، للأسف الشديد، يكون أي حديث عن مرحلة انتقالية، حاملة لتطلعات الشعب السوري، حديثًا طوباويًا بالفعل لا أثر له.

في المقابل، نحن نقر بتعقيدات الأوضاع في سورية، وبتكالب قوى الهيمنة الدولية والإقليمية، لكن هذا الشعب العظيم واجه أوضاعًا بالغة التعقيد تاريخيًا، وتمكن من تجاوز المحن، وللذين ينكرون على هذا الشعب تلك الإمكانية، نقول: إن هذا الشعب العظيم أفشل تاريخيًا محاولات التفتيت المذهبي والاثني والديني، وأفشل محاولات التتريك، ومن ثم مر الشعب في سورية بتجربة مرة، شبيهة من حيث الأهداف والصراعات بما يُخطط له في سورية هذه الأيام، فبعد انكشاف أمر خريطة “سايكس – بيكو”، وتعهيد سورية للفرنسيين، وبعد تعهيد فلسطين للبريطانيين؛ لتنفيذ وعد بلفور للصهيونيين، بدأ الفرنسيون بتنفيذ “نسخة صهيونية” في سورية بأسماء “دول”: علوية في اللاذقية، درزية في السويداء، سنية شامية، سنية حلبية، كردية، مارونية …إلخ. ووجد الاستعمار الفرنسي في تلك الجماعات -كلها- من تعاون معه في ذلك، وشُكلت ميليشيات بأسماء جيوش، لكن المواطنين الوطنيين حقًا، من جميع تلك الجماعات، والذين لم يكن لهم أي سند في الخارج أو الداخل، سوى تلك الإرادة الشعبية على السجية، أفشلوا تلك المخططات الجهنمية. الآن يجد هذا الشعب العظيم ذاته في أوضاع أكثر قسوة، وبمواجهة قوى أكثر وحشية وتوحشًا، أمام امتحان مماثل؛ فهل سينجح مرة أخرى؟

إن نجاح الشعب في تحقيق أهدافه، يتوقف على أن يتمكن هذا الشعب العظيم من تخطي مشكلة الفردية، الناتجة عن استبداد مديد، دمر جميع المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية، والانتقال من الـ “أنا الفردية”، إلى الـ “نحن الوطنية”، عندها سيحقق المعجزة، ويدخل رحاب المرحلة الانتقالية التي يريد، ونحن سنفترض أن الشعب السوري سيتمكن من ذلك.

بناء عليه، وبمقتضاه، سندخل في صلب الحديث عن المرحلة الانتقالية، والتي تحقق الانتقال إلى دولة التحرر والحرية والسيادة والمواطنة والعدالة والمساواة، وفي هذا فليجتهد المجتهدون، وما نقدمه وما سنقدمه في هذا المجال آراء محضة، مطروحة للنقاش العام.

في الحديث عن المرحلة الانتقالية، لا بد من تحديد الأسس التالية:

أولًا- يجب تحديد المدة الزمنية المحدودة للمرحلة الانتقالية.

ثانيًا- أن تكون الهيئة التنفيذية المشرفة على المرحلة الانتقالية مشكلة -حصرًا- من الخبراء (التكنوقراط).

ثالثًا- أن يكون الشعب السوري قد تمكن -على عتبة المرحلة الانتقالية- من عقد مؤتمره الوطني التمثيلي، بقدر ما تسمح به الأحوال، وأن يكون المؤتمر المذكور قد أنجز “إعلانًا دستوريًا”، يكون هو الناظم للمرحلة الانتقالية، ولعمل الهيئة التنفيذية.

رابعًا- هناك قضايا لا تحتمل التأجيل، ويجب إيجاد الحلول لها، خلال الفترة الانتقالية التي يجب أن تنتهي بإقرار دستور للبلاد، تُنتخب -على أساسه- المؤسسات التمثيلية، وتُملأ المناصب التمثيلية.

خامسًا- إذا كان القضاء هو آخر المؤسسات التي يضربها الفساد في المجتمع؛ فإن إصلاح القضاء أول المؤسسات، التي يجب إعادة هيكلتها مع بداية المرحلة الانتقالية؛ لتقوم بدورها، ذلك أن نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد -أساسًا- على أن يكون القضاء ذا صدقية، بحيث يشعر كل مواطن سوري أنه ليس في حاجة لتحصيل حقوقه المهدورة أو الحفاظ على حقوقه بيده، وإنما هناك قضاء يحقق ذلك للجميع، فالناس سواسية أمام القانون وأمام القضاء.

سادسًا- الإعداد لعودة المهجرين، وإحصاء المفقودين، وتسوية الأوضاع القانونية، وفتح الأبواب أمام جميع المغتربين، وتسوية أوضاعهم؛ للعودة إلى الوطن.

سابعًا- إجراء انتخابات نقابية في سائر النقابات المهنية والعمالية؛ لتكون أول مؤسسات تمثيلية منتخبة، وتعديل أنظمتها بما يخدم منتسبيها.

ثامنًا- إعادة هيكلة مؤسسة الجيش، بحيث تكون مؤسسة محترفة، مختصة بأمن الوطن، واسترداد المحتل من أراضيه.

تاسعًا- وضع جميع القوى الشرطية والأمنية، كضابطة عدلية خاضعة للقضاء وللنيابة العامة.

عاشرًا- ضمان حرية الرأي، وتنظيم تأسيس الأحزاب السياسية، وحرية الإعلام، وانتخاب هيئة تأسيسية لوضع دستور للبلاد.

لعل المبدأ التأسيسي للدولة الحديثة، والتي قامت على أنقاض الدولة الإمبراطورية، والدولة الدينية، والكيانات القبلية والبدوية والدوقيات، إضافة إلى مبدأ السيادة الوطنية للشعب على وطن محدد، لا تتعدى حدوده ولا تنتقص منها، يكمن في مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وصوغ هذا المبدأ عبر دستور وقوانين وأنظمة، تشكل -بمجملها- نظامًا عامًا للمجتمع، والسلطات، والحدود التي لا يحق لأحد تخطيها، أيًا كانت صفته ومكانته.

الجهاز المناط به السهر على حسن سير هذه القواعد الناظمة، داخل المجتمع ومؤسساته، وكذلك داخل مؤسسات السلطة، وحدود كل منها، ثم بين مؤسسات السلطة وبين المجتمع، من جهة ثالثة، هو القضاء، وهكذا يكون القضاء حكمًا بين الأفراد من جهة، وبينهم وبين مؤسسات السلطات من جهة أخرى، وبين مؤسسات السلطة ذاتها من جهة ثالثة، ورقيبًا وآمرًا للضابطة العدلية؛ تحقيقًا للعدالة جبرًا، بحيث تكون الضابطة العدلية هي الجهة الوحيدة المسموح لها -في المجتمع- أن تستخدم القوة والجبر، وهذا مشروط بأن تأتمر بأمر السلطة القضائية حصرًا، فمن المفترض أن الأجهزة المسموح لها بحمل السلاح، من قوى شرطية وأمنية، ويحق لها التفتيش والسوق إلى السجون، هي ضابطة عدلية تنفيذية للأحكام والقرارات القضائية، تتصرف في حدود تلك الأحكام والقرارات، لا تتقاعس في تنفيذها؛ فتحاكم أمام القضاء ذاته بتهمة المسؤولية التقصيرية، كما لا تتعداها في التعامل مع المواطنين؛ فتحاكم أمام القضاء ذاته بوصفها معتدية، قامت بعمل عدواني يستحق المساءلة القانونية أيضًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق