تحقيقات وتقارير سياسية

السجال الروسي – الأميركي غطاء لـ “النظام السوري” ليواصل حربه

تبدو التصريحات المتبادلة بين الروس والأميركيين وكأنها حرب كلامية، لا كلامًا دبلوماسيًا وسياسيًا، يُفترض أن يكون بين كبار مسؤولي هاتين الدولتين، ويبدو أن كل طرف يحاول أن ينتصر في حربه “الكلامية” على الآخر، بما يخص الشأن السوري، بينما يواصل النظام السوري استخدام آلته الحربية مستغلًا هذه الحرب “الكلامية” بين الروس والأميركيين، وتستمر قواته بدعم من القوات الجوية الروسية، بشنّ حملة جوية عنيفة متواصلة على أحياء مدينة حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وفشلت جلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة التصعيد العسكري في حلب في التوصل إلى شيء ملموس، وحصل سجال حاد وعنيف بين روسيا وأميركا والدول الأوربية، تحوّل لمحاكمة للدور الروسي، ولاتهام روسيا والنظام بارتكاب جرائم حرب، وحتى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ولأول مرّة منذ بدء الأزمة السورية قبل خمس سنوات ونصف، يتهم روسيا والنظام بارتكاب جرائم حرب، كذلك حمّل -ولأول مرة أيضًا- المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا “الحكومة السورية” مسؤولية البدء بالهجوم العسكري الأخير على حلب.

جلسة مجلس الأمم لم تكن سوى منبر لتأكيد عمق الهوة بين روسيا الولايات المتحدة، وأكّدت على أنه لم يعد هناك مجال على الأرجح لحل دبلوماسي، يوقف القتال في سورية، وأن حل الأزمة السورية بات صعبًا جدًا أو شبه مستحيل في هذا الوقت، وأن القواسم المشتركة بين البلدين قليلة جدًا، على عكس ما كانا يحاولان الإيحاء به.

ضمن سياق الحرب “الكلامية”، وصفت الولايات المتحدة ما تفعله روسيا في سورية بأنه “وحشية” وليست محاربة للإرهاب، وأشارت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة، سامنثا باور، في مجلس الأمن أنه “بدلًا من السعي للسلام، تقوم روسيا والأسد بصناعة الحرب، وبدلًا من المساعدة في إيصال المساعدات التي تُنقذ أرواح المدنيين تقوم روسيا والأسد بقصف قوافل الإغاثة الإنسانية والمستشفيات”.

في حين ردّ المبعوث الروسي في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، بأن إنهاء الحرب في سورية باتت مهمة شبه مستحيلة الآن، وأبلغ مجلس الأمن وأميركا أن روسيا لا تزال ترغب في وقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات بين الأطراف السورية.

بالتزامن مع هذه الحرب الكلامية، كانت طائرات “النظام السوري” تقصف، دون رحمة، المدنيين في مدينة حلب، وواصلت غاراتها على المدينة لليوم السادس على التوالي، قتلت خلالها مئات المدنيين، وباتت مستشفياتها غير قادرة على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الجرحى، وعجزها عن استقبال مزيد منهم، بسبب الاكتظاظ والنقص الحاد في المستلزمات، نتيجة حصار المدينة من “النظام”، وباتت فرق الدفاع المدني في حلب الشرقية عاجزة عن الحركة، خاصة أن القصف لا يستثني المرافق الطبية ومراكز الدفاع المدني وسيارات الإسعاف.

ويستغل “النظام السوري” الحرب الكلامية بين الروس والأميركيين؛ لقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، بكل الوسائل الممكنة، في محاولة منه لتحقيق انتصارات على الأرض وفي حلب تحديدًا، لاستغلالها لمصلحته في المستقبل، واستخدامها ورقة ضغط على المعارضة والمجتمع الدولي؛ لتحقيق ما يريده.

منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن، درجت الإدارة الأميركية على التعاطي مع الأزمة السورية باستهتار وغموض ولا مبالاة، استغلها الروس على أحسن وجه، وساروا باستراتيجيتهم بثقة، ودون أن يكترثوا للأميركيين، وكأنهم على ثقة بأن الرئيس باراك أوباما لن يقوم بأي تحرّك ضدهم، ولا حتى في مواجهتهم، لا سياسيًا ولا عسكريًا، ما أدى لتقوية الدور الروسي، فاستثمرت الملف السوري كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة وأوربا في ملفات مهمة أخرى، وكذلك شجّع هذا الأمر بدوره النظام السوري على التمسك بالحل الحربي التدميري التهجيري حتى النهاية، دون تقديم أي تنازل.

وكان مجلس الأمن الدولي عقد أمس “الأحد” جلسة طارئة، لبحث تصعيد القتال في حلب بطلب من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، حيث تسعى الدول الثلاث لوقف القصف الجوي الذي يشنه الطيران الروسي والسوري على الأحياء الشرقية من حلب، والواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق