ترجمات

الحروب الأجنبيّة والإرهاب

سيشكّل التعامل مع الإرهاب في الخارج، ومع امتداداته في الداخل، تحدّيًا ضخمًا -للغاية- للرئيس المقبل؛ فقد استمرّت النزاعات في سورية والعراق، وخلال السنوات الخمس الماضية، بإزعاج الولايات المتّحدة دبلوماسيًّا، وباستنزاف مصادرها العسكرّية، كما شكّلت أرضًا خصبة لنمو متطرّفي الدولة الإسلاميّة، والذين قاموا بسفك الدماء ونشر الدمار في المنطقة وفي الغرب.

 لقد تمّ عرض الطبيعة المتعدّدة الأبعاد للمشكلة، بشكلٍ كاملٍ، في الأسبوع الجاري؛ فقد بدا وقف إطلاق النار في الحرب الأهليّة السوريّة جاهزًا للانهيار، كما رتّبت القوّات الأميركيّة لاستعادة الموصل من الدولة الإسلاميّة، بينما حدثت هجماتٌ إرهابيّة في نيويورك ونيوجرسي ومينيسوتا؛ لذلك على خليفة أوباما أن يواجه تلك التهديدات، ويفهم الصلة فيما بينها.

مثلما اكتشف السيّد أوباما، فإنّه لا يوجد حلّ سهل لأيّ من تلك المشاكل، وبشكلٍ خاص مصادر ونتائج التطرّف؛ الأمر الذي قد يعود إلى عدم وجود نقاشٍ مستديم، في الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة، عن كيفيّة تعامل أميركا مع هذه القضايا.

هيلاري كلينتون كانت قد ردّت بطريقة ذات مزاجٍ معتدل على الهجمات الأخيرة التي حدثت في الولايات المتّحدة نهاية الأسبوع الماضي، وتقدّمت بوصفات للشرق الأوسط، والتي كانت في معظمها منطقيّة، ما عدا الفكرة المشكوك فيها حول منطقة حظر طيران في سورية، والتي رفضها السيّد أوباما كونها تحمل في طيّاتها مخاطر المواجهة مع روسيا.

دونالد ترامب لم يقم، عمليًّا، بتقديم أيّ طروحات ما عدا نشر الخوف، ونشر مفاهيم تزيد الإشكاليّات تعقيدًا، من ضمنها “التدقيق المشدّد” والذي قد يمنع معظم المسلمين من الهجرة إلى أميركا. بعيدًا عن تحريضها على الانتقام، فإنّ مقاربةً كتلك لن تساعد إلّا المتطرّفين؛ وذلك عن طريق تغذية الشعور المعادي لأميركا بين المسلمين المعتدلين في كلّ مكان. يدّعي السيّد ترامب، في هذه الأثناء، امتلاكه خطّةً ما، في مكانٍ ما، من شأنها هزم المتطرّفين، لكنّه يرفض الكشف عن خباياها؛ لربّما كان السبب وراء ذلك أنّه لا يمتلك أدنى فكرة، حتى ولو كانت ضبابيّة، عمّا يجب فعله.

 

01

 

قوّات الأمن العراقيّة تستعيد السيطرة على القيّارة، البلدة الواقعة جنوب الموصل، في آب/أغسطس. أسوشييتد بريس

مع بقاء أقلّ من سبعة أسابيع على الانتخابات، نورد فيما يأتي عرضًا عن الوضع في أشدّ المناطق تعقيدًا وإثارةً للنزاع، سواء في الخارج أم في الداخل:

العراق: يبدو أن السيّد أوباما يحقّق تقدّمًا في العراق؛ حيث تمّت استعادة حوالي نصف الأراضي التي كانت تسيطر عليها الدولة الإسلاميّة. تخطّط القوّات الأميريكيّة، بالتوازي مع القوّات العراقيّة والكرديّة، لاستعادة الموصل قبل مغادرة السيّد أوباما مكتبه، حيث تعدّ الموصل إحدى أكبر المدن العراقيّة، ومعقلًا للدولة الإسلاميّة في العراق والشام منذُ عام 2014. هذا وقد تمّ قتل العديد من قادة الدولة الإسلاميّة، لكن، عند الأخذ في الحسبان حقيقة أنّ الآلاف من مقاتلي الدولة الإسلاميّة قد تحصّنوا فيها لمدّة سنتين، ندرك أنّ معركة الموصل ستكون عنيفة. ولكن، حتّى لو نجح الأميركيّون بجعل حليفيهم العراقيّين والأكراد يعملان معًا على الأرض؛ سيكون عليهم ابتكار طريقة للإبقاء على الميليشيّات الشيعيّة، والمدعومة من إيران، خارج المدينة لتفادي التوتّرات مع الأغلبيّة السنيّة التي تعيش داخلها.

تلك هي تعقيدات النزاع في العراق، والتي لن تنتهي حتّى بتحرير الموصل؛ فكيف سيقوم التحالف المدعوم أميريكيًّا بمنع مقاتلي الدولة الإسلاميّة من الهرب وإعادة التجمّع، والتجهّز للقتال في وقتٍ آخر؟ وما الذي سوف يمنع ـمن أن تكون المدينة، مرّة أخرى، فريسة للمتطرّفين إن كانت الحكومة العراقيّة،  التي تُقاد من جانب الشيعة، في بغداد لا تزال مقسّمة، وغير قادرة على بناء بلد يتمتّع فيه السنّة والشيعة والأكراد بحقوقٍ متساوية؟ وهل من الممكن إيجاد العمل والسكن والخدمات الأساسيّة لأهل الموصل المحطّمين؟ هل سيكون في وسع الرئيس الأميركي المقبل منع الأكراد -وتحكّمهم بمفاتيح النفط وحقول الغاز- من أن يصبحوا بؤرة توتّر جديدة؟

سورية: إنّ ميدان القتال في سورية، بالأحرى، أشدّ إرباكًا؛ فهنالك حروبٌ متداخلة؛ بين الرئيس بشار الأسد والثوار، وبين التحالف المدعوم أميركيًّا والدولة الإسلاميّة، وبين تركيّا والأكراد. تقوم كلٌّ من روسيا وإيران، في هذه الأثناء، بدعم الأسد بالقوّة العسكريّة، أمّا الولايات المتّحدة والدول العربيّة السنيّة، كالمملكة العربيّة السعوديّة، فيقومون بمساعدة الثوّار والذين يقوم بعضهم بالقتال بالشراكة مع، -أوبالتقرّب من- فرع القاعدة والمعروف باسم جبهة النصرة، والمسمّى الآن جبهة فتح الشام. كل ما سبق يجعل من الصعب التمييز بين الناس الجيّدين وأولئك السيّئين.

تقوم الولايات المتّحدة بقصف الدولة الإسلاميّة في العراق والشام، وتنشر قوّاتٍ خاصّة كمجموعة مستشارين للثوّار المعتدلين، لكن لطالما عارض السيّد أوباما وإلى حدّ كبير، التدخّل العسكري، إلى حدّ أبعد ممّا يقوم به الآن، في ما يُعدّ، في الأساس، حربًا أهليّة طائفيّة. وكما نشرت صحيفة النيويورك تايمز، في يوم الأربعاء، بأنّه يفكّر في خطّة لتسليح المقاتلين السوريّين الأكراد، وبشكلٍ مباشر. إنّ ذلك التحوّل الكبير قد يسرّع من الهجوم ضدّ الدولة الإسلاميّة، بينما سيؤدّي إلى تفاقم التوترات مع تركيا. لقد قُتل، بحسب التقديرات، نحو نصف مليون شخص سوري، معظمهم بسبب قصف قوّات الأسد.

في الأسابيع الأخيرة، استأنفت إدارة أوباما اتّفاق وقف إطلاق نار جديد (كان اتّفاق وقف إطلاق نار جزئي أسبق قد تعرّض للانهيار بسرعة)، من المُنتظر منه أن يعبّد الطريق أمام وصول المساعدات الإنسانيّة، و كذلك أمام مفاوضات أوسع حول انتقال سياسي ينهي الحرب، و يمهّد ببطء لخروج الأسد من السلطة، الأمر الذي سيسمح لجلّ المقاتلين بصبّ اهتمامهم كلّه على محاربة الدولة الإسلاميّة وجبهة النصرة، لكنّ نجاح الاتّفاق يعتمد بشكلٍ كبير على روسيا و على الأسد، وقد بدا ذلك جليًّا يوم الاثنين عند قصف قافلة المساعدات، المؤلّفة من 31 شاحنة، والتي كان قد مُنِحت الوعد بممرّ آمن في ظلّ اتّفاق وقف إطلاق النار الذي نوقش بين روسيا والولايات المتّحدة، وقد سبّب ذلك القصف مقتل العديد من الأشخاص وتدمير الأطنان من المساعدات الإنسانيّة. لامت إدارة أوباما موسكو في تلك الحادثة، لكنّها استمرّت في الإصرار على أنّ وقف إطلاق النار، وإن كان نجاحه غير مرجّحٍ، فمن الممكن أن يعمل. بدت إمكانيّة نجاح ذلك الاتّفاق أقلّ، يوم الأربعاء، بعدما قُتل أربعة عاملين، على الأقل، في مجال الإسعاف الطبّي في إثر غارة جويّة قرب مدينة حلب، في منطقة لا تحلّق فوقها إلّا الطائرات الروسيّة والسوريّة.

حتّى لو تمّ تفعيل وقف إطلاق النار، وبدأت محادثات الانتقال السياسي في سورية، فسيكون على الأميركان وحلفائهم الصراع مع ما يجب فعله في قضيّة الملايين المهجّرين من السوريّين، وقضيّة القوّات الأجنبيّة –من تركيا و إيران وروسيا وحزب الله- الموجودة في البلاد.

كما يجب اتّخاذ القرار فيما إذا كانت ستتم ملاحقة الأسد والدولة الإسلاميّة وبعض جماعات الثوّار بتهمة ارتكاب جرائم حرب؛  ذلك بسبب الفظاعات التي قد ارتكبوها ضدّ المدنيّين خلال الحرب.

في الداخل الأميريكي سيكون على الرئيس الأميريكي المقبل مواجهة التهديدات على الأرض الأميريكيّة، والمنبعثة من المتطرّفين الذين يدخلون البلاد لارتكاب أعمال إرهابيّة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الناس الذين يعيشون هنا، من دون أن تكون لديهم صلات رسميّة مع جماعات إرهابيّة في الشرق الأوسط، ولكنّهم يأخذون الإلهام من نداءات تلك الجماعات للعنف و التطرّف، فمثلًا تلك كانت حالة أحمد خان رحمي والذي كان، قبل توجيه الاتّهام له بصلته بتفجيرات نهاية الأسبوع في مانهاتن و نيوجرسي، قد استشهد بـ “الأخ أسامة بن لادن”، من بين غيره من القدوات التي اتّخذها مثالًا له.

إنّ تطبيق وتعزيز القوانين على المستوى المحلّي، ومستوى الولايات والمستوى الفدرالي قد أدّى إلى إحباط معظم الحبكات والمخطّطات الإرهابيّة ضدّ الولايات المتّحدة منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لكنّ الهجمات التي وقعت في بوسطن وأورلاندو وسان برناندينو أدّت إلى شعور الكثير من الأميريكيّين بالخوف من أنّ التهديد يقترب أكثر فأكثر.

لا يمتلك أيٌّ من السيدة كلينتون أو السيّد ترامب إجابةً عن التفجيرات الناتجة عن اضطرابات شخصيّةٍ فرديّة، ولربّما لا يمتلك أحد الإجابة عنها. لكنّ الأمر الواضح هو أنّ الصراع ضدّ المتطرّفين يجب أن يُخاض على عدّة جبهات: أيديولوجيّة وحضاريّة، كما عسكريّة ودبلوماسيّة، وعلى الرئيس المقبل، ليكون ناجحًا، أن يعالجها جميعًا.

 

 

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية Foreign Wars and Terrorism
اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية هيئة تحرير جريدة النيويورك تايمز

THE EDITORIAL BOARD

مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي The New York Times
تاريخ النشر 22 أيلول/ سبتمبر2016
رابط المادة http://www.nytimes.com/2016/09/22/opinion/foreign-wars-and-terrorism.html?action=click&pgtype=Homepage&clickSource=story-heading&module=opinion-c-col-left-region&region=opinion-c-col-left-region&WT.nav=opinion-c-col-left-region&_r=0
اسم المترجم  أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق