مقالات الرأي

الطفل أليكس وأوباما في ميزان التاريخ

إن طلب الطفل الأميركي، أليكس، من الرئيس أوباما جلب الطفل السوري عمران، الذي خرج من تحت أنقاض منزله المدّمر في حلب، بفعل غارة لطيران الأسد، إلى أميركا كي يسكنه في بيته، ويتقاسم معه ألعابه ويعرّفه على أصدقائه، مثّل، إلى حد ما، بدلًا عن ضائع في الموقف الأميركي من المأساة السورية، وكانت رسالته العفوية والبريئة تلك صرخة احتجاج، ترمز إلى غياب الاتجاهات والحركات الأنسية على المستوى الكوني، وانغماد قوى السلم والتنوير والعدالة والمساواة، وخفوت صوت الرأي العام العالمي تجاه المقتلة السورية.

بالتأكيد لن يتأثر أوباما وأركان إدارته برسالة الطفل البريئة تلك، وهذا ليس مهمُا، لكن المهم يتأتى من رمزيتها المبنية على إنسانوية عابرة لحدود الهويّات، التي تتعالى أسوارًا وتحاجزات، وتتمخض عن صراعات مدمرة، في ظل سيطرة منطق القوة والغلبة على العلاقات الدولية، وخضوع تلك العلاقات لهيمنة مجمّعات المال والسلاح، والشركات العابرة للحدود القومية، وانبعاث الحركات والأيديولوجيات العنصرية والشوفينية والدينية، ذات المضمون العصبوي على مستوى العالم.

وتتأتى الدلالة الرمزية لصرخة الطفل أليكس، كذلك، من انتمائها الصريح إلى الفضاء العالمي، الذي يفترض أن تنبني فيه قوى المقاومة لنظام الفوضى والرعب العالمي الحالي، والتي من أولى مهامها التصدي للحركات الفاشية كالخمينية والبوتينية والداعشية وأنظمة الاستبداد المتبقية في العالم والاتجاهات العنصرية البادئة في الغرب.

وتشير صرخة أليكس برمزيتها إلى مستقبل ممكن وواجب للبشرية، وإلى ضرورة دخولها في تاريخ لم يبدأ بعد، لأن قوى الأمر الواقع في العالم أوصلتها إلى مفترق خطير، تنبأ به الراحل إلياس مرقص بعبقرية نادرة قبل أربعين عامًا، حين كتب “لقد وصلت البشرية الآن، في هذه اللحظة المنطقية والتاريخية، إلى أكبر مفترق في تاريخها الطويل. إما أن تكون نهاية تقدم وثورة تأسيس لتقدم آخر. وإما أن تكون نهاية النوع. هذه القضية تخصنا بالتمام!”

ومن نافل القول؛ أن سياسات أوباما، طيلة ثماني سنوات من رئاسته في البيت الأبيض، دفعت البشرية أكثر إلى هذا المفترق الخطر، وخاصة في تعاملها العاري من أي مبدأ أخلاقي وإنساني مع النكبة السورية، حيث كان الموقف الأميركي من تلك النكبة، يفيض بالنفعية المتفلتة من أي مسؤولية من مسؤوليات الدولة العظمى “قائدة العالم الحر”. فالانكفاء الأوبامي جعل آثار الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003، ترتّد إلى الداخل السوري موتاً ودمارًا، بعد ما صار العراق تحت الهيمنة  الإيرانية بتواطؤ أميركي، كما أن عدم اكتراث أوباما للمقتلة السورية؛ إرضاءً للنظام الإيراني في أثناء تفاوض إدارته مع إيران بشأن ملفها النووي، وتحويل تلك المقتلة إلى ورقة للتفاوض مع روسيا أيضًا، حول مناطق أخرى من العالم، يشي بامتلاء السياسات الأميركية “بالميكافلية” الوقحة، التي وقفت خلف إشاحتها عن رؤية المضمون المدني السلمي الديمقراطي لثورة الشباب السوري في أشهرها الأولى، وتركت تلك الثورة الواعدة، تتناهشها طغمة سلطوية بدائية متوحشة، إضافة للمليشيات الطائفية الشيعية والسّنية، ولم تقدّم تلك الإدارة إلا “الكلاموجيا” للسوريين، عندما تحوّل وزير خارجيتها كيري إلى “كركوز” أمام لافروف ذاك “المستّحاثة” المنحدر من أصلاب الفاشية الستالينية المتفسخة، وأيضاً أسهم الفراغ الذي أحدثه التراخي الأميركي في ملء ساحة الصراع السورية بكل قوى التأخر المنبعثة من جوف التاريخ، والتي أمعنت في هتك النسيج “المجتمعي السوري” الهش أصلاً بفعل سياسات التسلط طيلة خمسين عامًا.

كما أظهرت النكبة السورية الإدارة الأميركية مجرد منسق أعلى وعام للقوى الفاشية والعنصرية المتأخرة على مستوى العالم، ولمجمعّات المال والسلاح ومختلف “لوبيّات” الضغط العالمية. وهذا يتعارض مع حجمها ووزنها الدوليين ومع مسؤولياتها الكونية. لذا من المرجح، أن يربط المؤرخون مستقبلًا، بعد عقود ليست بالطويلة، ما بين موقف أوباما، من تلك النكبة غير المسبوقة في التاريخ، وبين الزمن الذي بدأت فيه الإمبراطورية الأمريكية بالتراجع عالميًا.

بكلام مختصر: بمقدار ما أفصحت الأوبامية عن سماكة جلد وتبلّد في حساسيتها الإنسانية والأخلاقية، تفصح رسالة الطفل أليكس عن ممكنات إنسانية وأخلاقية كامنة لدى البشرية، يجب الرهان عليها من أجل مستقبل مغاير لبؤس وشقاء الحاضر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق