أدب وفنون

بيني وبين أم رباح

كنت عائدًا إلى البيت بعد جولة مكوكية في سوق الخضار، فتلت السوق طولًا وعرضًا، أبحث عما يسد الرمق. فالأولاد ينتظرونني في البيت على أحر من الجمر، ولا أريد أن أعود فارغ اليدين؛ كي لا تمطرني أم رباح بسخريتها اللاذعة، فهي تهيئ لي في كل يوم عبارة من عباراتها السامة، من مثل “اليد الفاضية مجوية”، و “ياما جاب الغراب لأمه”، وغيرها من العبارات التي تستخدمها حينما لا يعجبها ما أحضره لها.

استطعت -خلال هذه الجولة- الحصول على بعض الخضار التي لم يقربها أحد، فاشتريتها على مبدأ التنفيعة بأرخص الأسعار على مبدأ: “حي الله كيلو بـ 75 ليرة؛ فحللت بذلك مشكلتين: مشكلتي أنني حصلت على بضاعة رخيصة، ووفرت على نفسي أناشيد أم رباح التي عودتني عليها في كل مرة، وحللت مشكلة البائع المسكين الذي ينتظر حتى ” ينفّق” بضاعته، ويعود إلى أولاده الذين ينتظرونه بفارغ الصبر.

ليست هنا المشكلة، فحينما نثرت بضاعتي أمام أم رباح، وباعتقادي أنني قد أتيت برأس كليب وأخيه الزير؛ نفخت:

ـ أف… أف… أف. شو هاد!؟

ـ هللي تشوفيه، خضار من أحسن الموجود بالسوق.

ـ يعني ما لقيت أحسن من هالبندورة المعفني. والبيتنجان المبزر؟!

ـ والله، يا مستورة، دوّرت السوق طول وعرض، ما في، ما في.

ـ هذي النغمة تعودنا عليها. في عندك غيرها.

ـ والله أنت لا يعجبك العجب ولا الصيام في رجب. يعني أنا طلعت آخر النهار كذاب يا أم رباح؟

ـ لا حيشاك. بس هذه الحجج اسمعناها من قبل. عندك غيرها؟

ـ الله يسامحك. لك ولله أنت لو أشعلت لك أصابعي عشر شمعات ما تغيرين خطابك. كثّر خير الله أنني وجدت هذه الأشياء. ربما لن نجدها بعد أيام يا بنت الحلال، إذا استمرت الحالة على ما هي عليه، احمدي الله واشكريه.

ـ خرجك، حتى تعرف كيف تشتغل مع المعارضة، أي والله والله! هذي المعارضة راح تجيب تالينا. لك بسببكن قطعوا المازوت، قطعوا الغاز، قطعوا الكهرباء، قطعوا كل شي، شو هللي ما قطعوه بدي إفهم؟

ـ بعد لسانك ما قطعوه. اسمعي يا منزومة: صحيح نحنا عم نشتغل مع المعارضة، لكن قلبنا على الوطن.

ـ كيف بعدي؟ فهمني. هاي ما دخلت مخي.

ـ أيوااااا. اسمعي يا بنت الحلال: رب ضارة نافعة، قطع المازوت والغاز والكهرباء وكل الكماليات، أصلًا هذا كله بصالح الوطن والمواطن.

ـ وبتسميها كماليات كمان؟

ـ نعم ستي. كماليات ونص. كيف كنا نعيش قبل هذا الوقت. هل كان عند أهلك براد أو تلفزيون أو غسالة، أو بوتوغاز؟ كانت الأمور ميسورة ولم نجد مشكلة بعدم وجود هذه البلاوي. وبعدين اسمعي: قطع الكهرباء والمازوت والبنزين لصالحنا نحن السوريين.

فتحت أم رباح عينيها على وسعهما:

ـ تفضل نورنا أنا غشيمة وما بفهم. فهمني.

ـ لا، استغفر الله. حيشاك من الغشمنة. غدًا عندما ستقوم الحرب بينا وبين إسرائيل، للقضاء على النظام المقاوم الممانع. وإن غدًا لناظره قريب، كيف سنعوّد الناس على التقشف؟ أصلًا كل هذه العملية التي قمنا بها -نحن في المعارضة- هي بيان عملي كي تتعلم الناس كيف تعيش بالخيام برات بيوتها بعد ما شردها النظام، وجعلها تفتش عن مأوى لها خارج البلد. وكي تعرف كيف تهرب وتختبئ من الطائرات الإسرائيلية التي لعنت سلاف سلافنا في حرب حزيران عام 67 وحرقت أنفاس أنفاسنا في حرب تشرين التحريرية عام 73. كل هذا لأن المواطن السوري لم يتدرب على مواجهة الأزمات، وكيف عليه أن يواجه العدوان الغادر.

وربما خطر للنظام أن يستخدم حقه بالرد على العدوان. وعندئذٍ سوف تقع الواقعة ويزداد الأمر تعقيدًا فيغضب العدو الإسرائيلي ويطور هجومه، عندئذٍ سيتصدى له الأسطول الجوي الروسي لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يسمح بأي شكل من الأشكال بسقوط النظام الممانع المقاوم، ولو كلفه ذلك أغلى الأثمان. وفي هذه الحالة ستتحرك أمريكا لمناصرة حليفها الاستراتيجي العدو الإسرائيلي، وتقع الحرب بين الفريقين المتقابلين “كأنهما جبلين” ويحوم فوق الرؤوس غراب البين. ونكون نحن السبب في هذه المصائب التي تحل بالعالم من جراء محاولة النظام السوري استخدام حقه بالرد بعد طول انتظار.

عندما أنهيت مطالعتي هذه، رأيت أم رباح بسابع نومة. فأيقظتها على وقع خطبتي العصماء فقالت:

ـ أنت عمال تحكي جد أبو رباح، ومن عقلك؟ ولاّ عم تطعميني بعقلي حلاوي؟ فقلت لها:
ـ والله يا أم رباح أخوث يحكي، وعاقل يفهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق