تحقيقات وتقارير سياسية

عام على التدخل الروسي والدم السوري هو الخاسر الأكبر

على عكس ما تصور كثير من المحللين، قارب عام كامل على نهايته منذ بدء روسيا حملتها العسكرية في سورية يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2016، مخلفة ورائها أكثر من 2700 من المدنيين، بينهم 746 طفلًا، و514 سيدة.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن من بين ضحايا التدخل الروسي في سورية، حتى نهاية تموز/ يوليو 2016، 28 من الكوادر الطبية، بينهم 8 سيدات، في حين كان نصيب المجال الإعلامي 10 إعلاميين، وأكدت الشبكة أن هذه الأرقام مسجلة لديها بالاسم وتاريخ ومكان وكيفية القتل، وغير ذلك من التفاصيل.

كان ظاهر التدخّل الروسي -في البداية- أن موسكو تريد حماية النظام السوري الذي شارف على السقوط حينها، في حين اتضح أن التدخل أخذ أبعادًا أكثر من مجرد الحفاظ على النظام، بل تعدى إلى أهداف سياسية عالمية، ومصالح استراتيجية لا يمكن للأسد قبل الثورة أن يحققها لروسيا، لعل أبرزها قاعدة حميميم العسكرية الروسية التي صارت موطئ قدم عسكري قوي للروس في شرق المتوسط.

هل اتضحت النيات الروسية

يقول الأمين العام للائتلاف، عبد الإله الفهد، لـ (جيرون): “جاء التدخل الروسي في لحظة انهيار تام للأسد، وكان له دور واضح في حماية الأسد من السقوط”، مشيرًا إلى أن التدخل الروسي جاء -أيضًا- لإنجاز المصالح الروسية في المنطقة.

ويرى نائب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، موفق نيربية، أن النيات الروسية في سورية تجلت الآن، وأن الروس مقتنعون تمامًا بأن مهمّتم في سورية لم تنتهِ بعد، وأضاف خلال حديثه لـ (جيرون) أن الحملة “لها أهداف متعددة، أولها عودة روسيا إلى حيث كان الاتحاد السوفياتي، وتثبيت مقعد روسيا على طاولة حكم العالم والنفوذ في السياسة الدولية، وحققت جزءًا منه؛ بعد أن أصبح الآن الرئيس الشريك في قيادة مجموعة دعم سورية هي والولايات المتحدة”.

وأضاف: “الهدف الثاني من التدخل الروسي، هو الوجود الفاعل في منطقة الشرق الأوسط، في المياه الدافئة للبحر المتوسط”، موضحًا أن هذا الوجود لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل أيضًا “وجودًا عسكريًّا واقتصاديًّا، كما يطمحون أن تكون سورية كلها محكومة من صديق لهم كبشار الأسد، وإذا لم يستطيعوا ذلك، سيحضرون في سورية المفيدة الممتدة من دمشق حتى الساحل السوري”.

واعتبر نيربية أن الهدف الثالث، هو فعلًا محاربة الإرهاب الذي خلقوه هم، والذي سيؤثر عليهم وعلى مصالحهم في القوقاز، وأشار إلى أنهم “دعموا هذا الإرهاب في المنطقة وغذّوه؛ من أجل شرعنة تدخلهم، وحماية مصالحهم بدعوى محاربة الإرهاب”.

بدوره، يقول الصحافي والمحلل السياسي ياسر بدوي لـ (جيرون): للتدخل الروسي في سورية أسباب معلنة وأخرى خفية، فـ “السبب المُعلن هو المصالح الروسية وضمانها في سورية والمنطقة، وأصبح أمام روسيا فرصة نادرة جدًا في هذا التدخل؛ لتستعيد مكانتها، وهذه الفرصة وجدت في تقاعس الإدارة الأميركية الواضح عن عدم التدخل في سورية، في حين أن الأسباب الأخرى للتدخل تتركز في رغبة روسيا لرسم خارطة تحالفات أكبر في الساحة السياسية، والمنطقة بشكل خاص”.

ورجح بدوي أن تكون روسيا قد وقعت في الفخ الأميركي الذي نصبته لها، حيث قال: إن “الولايات المتحدة كانت تجاه توريط روسيا في مخططاتها العالمية، والدليل على ذلك أن روسيا لم تستطع إبرام أي صفقات اقتصادية مع الدول في المنطقة، على الرغم من تدخلها في سورية لاستلام دفة القيادة؛ ما يعني زيادة الخسائر الروسية اقتصاديًّا”.

وتابع: “لقد اختبرت روسيا جميع أسلحتها في سورية، حتى أنها اختبرت ما سمي بـ(المجنّح) عبر بحر قزوين وغيرها من البحار، فقصفت به الشعب السوري، ودرست مدى فاعليته في الحروب”.

حماية الأسد، مواجهة الولايات المتحدة، بناء توازنات جديدة في المنطقة، ومحاولة إحياء قوة الاتحاد السوفياتي من الرماد، كلها غايات توافق عليها، واختلف حولها المحللون والمراقبون للشأن الروسي – السوري، والثابت الوحيد في هذه المعادلة أن الغايات كثيرة، والطريق واحدة: الدم السوري.

مكاسب وخسائر

أثمر التدخل الروسي في سورية مكاسب لـ “النظام السوري”، ولا سيما أن الطيران الروسي ارتكب المجازر بحق الشعب السوري؛ من أجل أن يسمح لنظام الأسد بالتقدم قليلًا في الميدان، لما لذلك من ظلال على سير العملية التفاوضية التي يقودها المبعوث الأممي في سورية ستيفان دي ميستورا بدعم دولي.

يؤكد عبد الإله الفهد، أن التدخل الروسي “منع انهيار نظام الأسد، وأوقف المفاوضات التي كانت ستفضي إلى إبعاد الأسد عن السلطة”، مضيفًا: “على الأرض واضح أن روسيا حققت مكاسب، لكن لا نعلم إن كان هناك توافقات إيرانية – روسية مخفية، أو غير معلنة بشكل عام”.

إلا أن بدوي يرى في الوقت نفسه، أن التدخل الروسي “لم يحقق فعليًا مكاسب للنظام السوري، وإن بدا لنا في التفاصيل أنه حقق مكاسب عسكرية، لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك، ويمكننا النظر بعمق في التصريحات الروسية، سنرى أن موسكو تشدد على فكرة أن التوافق معها هو الضامن الوحيد؛ لأن باستطاعتها الضغط على النظام، لتنفيذ أي اتفاق تبرمه موسكو؛ ما يعني أن الأسد لا يكسب، روسيا هي من تكسب”.

وأضاف أن من تفاوض مع الروس في موضوع الهدن، يعلم ذلك تمامًا، “حيث أن الروس يقولون لمن يتفق معهم “إن اتفقتم معنا، لن يستطيع أو يتجرأ فرد من النظام على مخالفة الاتفاق، وأي نقطة سيقصف منها النظام سنبيدها”.

كما يؤكد نيربية أن روسيا “خسرت سمعتها في المنطقة إلى الأبد-أو أظن أنها للأبد-، كانت روسيا سابقًا تُعدّ بلدًا صديقًا، شعب صديق للقضايا العربية والقضية العربية، وللقضايا السورية، الآن تُعدّ روسيا مساهمة في الدم السوري، وأظن أن هذه خسارة استراتيجية، لم تتذوّقها الحكومة الروسية بكل مرارتها بعد”.

أين المجتمع الدولي؟

ارتكبت روسيا في سورية مجازر عديدة، أسفرت عن سقوط الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، كما استهدفت بطريقة ممنهجة أبرز المرافق الحيوية والطبية في المدن السورية، فقصفت المستشفيات والمدارس والطرقات والأسواق، كل ذلك على مرأى العالم ومسمعه.

وبحسب إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان، صدرت شهر تموز/ يوليو الماضي، فإن حصيلة المراكز الحيوية التي استهدفتها الطائرات الروسية، منذ شباط/فبراير 2016، حتى تموز/ يوليو، بلغ العدد مئة، كما ارتكبت خلال الفترة تلك 19 مجزرة بحق الشعب السوري.

ومن بين المستشفيات التي قصفتها الطائرات الروسية مستشفى (باسل أصلان – القدس) في شهر نيسان/ أبريل 2016، حيث راح ضحيتها 36 قتيلًا، بينهم 14 طفلًا وثلاث سيدات، واستهدفت في شهر حزيران/ يونيو 2016 مستشفى الإحسان في سراقب بالقنابل العنقودية، ومستشفى الهدى الإسعافي في حلب بالقنابل الفسفورية، كما استهدفت في شهر تموز/يوليو من العام نفسه مبنى منظومة الإسعاف الطبية في حلب.

وحول عدم تدخل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، بشكل فعلي لوقف التدخل الروسي، يقول نيربية: إن “لا يستطيع حلف الأطلسي، ولا جميع الدول الغربية حراكًا دون الولايات المتحدة الأميركية، لأنها زعيمة العالم الغربي”، مضيفًا: “الولايات المتحدة الأميركية، وبسبب الرضوض الكبيرة التي جاءت بها مشكلة أفغانستان والعراق سابقًا، فإن لدى واشنطن حرم ما على التدخل بقوة”.

وأضاف: لدى الولايات المتحدة “حالة من الفوبيا من أي احتمال ظهور أي موقف قد يؤدي إلى التدخل مباشرة في أي منطقة، هذا الضعف في الإدارة الأميركية وفي السياسة الأميركية الخارجية للأسف جاء على حساب الشعب السوري”.

ويعدّ بدوي أن هناك عدة أسباب منعت إيقاف التدخل الروسي، موضحًا أنه “يجب ألا نخفف من قوة الدولة الروسية، يعني روسيا ما زالت قوة عالمية، وليست قوة إقليمية، وبالتالي؛ مواجهة القوة الروسية سيتطلب حسابات دولية كبرى جدًا قد تؤدي إلى حروب غير محسوبة للجميع”.

وتابع: “الخلافات في إدارة الرئيس الأميركي أوباما تعكس هذا التلكؤ في التدخل، كما أن الولايات المتحدة لم تكن منسجمة أبدًا مع طروحاتها، فضلًا عن الولايات المتحدة تلاعب روسيا في سورية، وتريد توريطها أكثر في سورية حتى تنهكها”.

من جانبه يرى الفهد أن التدخل الروسي “لم يأت من فراغ”، بل كان نتاج “توافقات، وهذا واضح الوجود”، ويمكننا النظر إلى رئاسة روسيا ومجموعة (ISSG) مع الولايات المتحدة من هذه الزاوية.

ويعوّل كثيرون على أن العام المقبل ليس كالذي قبله، معللين ذلك بعدة عوامل هي الانفتاح الروسي على السعودية، وتحسن العلاقات الروسية – التركية التي لا بد أن تُلقي ظلالها على الساحة السورية، كما أن إقبال الولايات المتحدة الأميركية على حكومة جديدة قد يقلب الموازين، ولا سيما أن المرشحة الأكثر حظًا بالفوز بمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، هيلاري كلينتون، لن تسير على نهج سَلَفها الرئيس أوباما.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق