قضايا المجتمع

إحصاء حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يثير خلافات كردية بينية

تحت عنوان “أنا هنا”، بدأ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، منذ أيام، تنفيذ إحصاء سكّاني لعدد القاطنين في “المقاطعات الكردية” الثلاث الخاضعة لسيطرته، وفق آلية عمل متفقة، وتنفيذ حظر تجوال؛ للتمكّن من القيام بالإحصاء، وفرز الأرقام، ويخشى المراقبون وفق ما أفادت به وكالات أنباء أنّ يكون هدف الإحصاء هو إعطاء حق الانتخاب لمؤيدي حزب الاتحاد الديمقراطي من الأكراد فحسب؛ ما شكّل مجموعة من المخاوف لدى المواطنين والمتابعين، وجاء في الصفحة الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي لـ “مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية”، القائمة بأمور الإحصاء، بأنّ الغاية من هذه العملية هي: “تبيان تعداد السكان الكامل، وتحديد الأوضاع الاجتماعية والعائليَّة والتحصيل العلمي ومستوى البطالة، وتوضيح حالات الإعاقة الكاملة وحالة النزوح واللجوء إلى (روج آفا) والهجرة منها، وأيضًا تحديد الفئة العمرية التي يحقّ لها الانتخاب لإعلان (فيدرالية روج آفا) شمالي سورية، التي قال الحزب إنه سيُعلن عنها قريباً، وتحديد أُطر التعليم”، والتي ادّعى الحزب بأنها ستكون تحت إشراف مراقبين دوليين.

مخاوف جديَّة من السياسيين

وقد ووجه الإحصاء الجاري بالرفض على نطاق واسع، شعبيًا وحزبيًا، وقال ناشطون: إنه لم يجر أحد في التاريخ إحصاء في أثناء الحرب، وشككوا بنيات الحزب، خاصة وأن نسبة كبيرة من المُكونات العرقية والدينية في المنطقة قد غادرتها، كما أن “القوات العسكرية” التابعة لهذا الحزب (وحدات حماية الشعب) و(قوات سورية الديمقراطية) اتُهمت بأنها قامت بتغيير ديموغرافي في المنطقة، وأحرقت عشرات القرى للسريان والآشوريين والعرب، وأخلتها من سكانها خلال السنة الأخيرة، فضلاً عن هجرة أكثر من ثلثي سكان المنطقة أو نزوحهم.

كذلك ووجه الإحصاء الجاري بالرفض من الصحفيين والسياسيين الأكراد أنفسهم، على أنّه إعادة لخطّة النظام السوري قبل سنوات طويلة، عندما أسقط الجنسية عن الآلاف من الأكراد القاطنين في محافظة الحسكة، لكن بطريقة أخرى، وعبر القيام بكتابة عبارة (مكتوم القيد) على من يعدّ غير مؤيد لحزب الاتحاد الديمقراطي، وبهذا الصدد قال السياسي شلّال كدّو، من المجلس الوطني الكردي في سورية لـ (جيرون): “نحن نرى بأنّ عملية الإحصاء الجارية في (المنطقة الكرديَّة) منذ أيّام ليست في محلّها”، ويعزو كدّو ذلك إلى أنّ “الظروف الموضوعيّة غير مؤاتية لإجراء مثل هكذا عمليّة، لأنّ أيّة عملية إحصاء في أي منطقة كانت تتطلّب الاستقرار الأمني وكذلك يتطلّب وجود المواطنين في مدنهم وقراهم”، وأردف قائلًا: “نحن نعلم بأنّ سكان مختلف (المناطق الكرديَّة) قد تعرّضوا للهجرة، فهنالك نزيف بشريّ مستمر منذ سنوات عديدة، الأمر الذي أدّى إلى هروب أو نزوح أو لجوء نسب كبيرة جدًا من السكّان صوب الدول الإقليمية أو الأوروبية، وعليه فإن عملية الإحصاء هذه نحن حقيقة في المجلس الوطني الكردي لدينا مخاوف كثيرة إزاءها”، وأشار كدّو في معرض حديثه إلى أنّ المجلس الوطني الكردي “قد أصدر بيانًا بهذا الصدد، فنتائج هذه العملية ربما لن تخدم (القضية) الكردية في سورية وربما يثبت العكس بأنّ الأكراد السوريين في عدد من مدنهم وقراهم ومناطقهم الأصلية سوف لن يُشكّلون الغالبية نظرًا لظروف الهجرة وكذلك الهجرة المعاكسة، لذا فإن هذه العملية الإحصائيَّة الجارية الآن تشكّل بالنسبة لنا خوفًا جديًّا”.

وقاطع المكون المسيحي هذا الإحصاء، ووصفه عبر ملصقات تمّ تعليقها في بعض المدن، بأنّه مشروع لتقسيم سورية والاعتداء على باقي مكّونات المنطقة، فيما لم تعره القوى السياسية العسكرية السورية المعارضة أهمية؛ لأنها بالأساس لا تعترف لا بالإحصاء ولا بالغدارة الذاتية أو (المقاطعات) التي أعلن هذا الحزب من جانب واحد، مُستنداً إلى تحالفاته المتعددة والمتناقضة والقلقة، مع النظام السوري والروس والأميركيين.

في السياق ذاته يرى السياسي أحمد موسى أنّه “لا يوجد في التاريخ كلّه حالة إعمار أو إحصاء أثناء الحروب، وما يقوم به حزب الاتحاد الديمقراطي مبهم وغير واضح على الإطلاق وكعادتهم كل القرارات الصادرة عنهم هي قرارات مبهمة وضبابيَّة وتحتمل عدّة أوجه، تمامًا مثل سياساتهم وعلاقاتهم”، ويتساءل موسى: “كيف يمكن القيام بإحصاء في وقت جميع المكونات فيه بدأت تختفي من المنطقة وعصف بالجميع موجات الهجرة؟، وكان الأجدر بالقائمين على هذا الإحصاء أن يظهروا على الإعلام ويوضّحوا الأسباب المباشرة وغير المباشرة لهذا التعداد السكاني ومن سيشملهم ومن لن يتمّ تقييدهم في السجلات”، ويعود موسى مستفسرًا “هل سيعتبرون أهل الغمّر مواطنين أصليين في (المنطقة الكردية)؟ وكيف سيتعاملون مع (الوافدين) من الداخل السوري؟، كلّها أسئلة بحاجة إلى إجابات، والأهمّ من هذا وذاك، من يقوم بالإحصاء السكاني هو ذاته من يقوم بتسجيل مولوده في سجّلات الجمهورية العربية السوريّة التابعة للنظام الذي فقد شرعيّته منذ سنوات، فهل هم مكّلفون من جهة ما وما الغاية أساسًا من هذا الإحصاء وفي هذا الوقت بالذات؟”.

إلى ذلك، أعلن المجلس الوطني الكردي رفضه بشدّة لهذا الإحصاء، وشدد على أن مثل هذه العملية تقررها المؤسسات الشرعية، وتنفذها هيئات مستقلة وكوادر متخصصة في هذا المجال، وتجري في أجواء يتسم بها المجتمع بالثبات والاستقرار والأمان، وتُعتمد نتائجها من المنظمات الدولية ذات الشأن، وأن كل هذه الأوضاع غير متوافرة الآن؛ لإجراء هذه العملية في الوقت والمكان والأداة، ونبّه إلى أن “المقرر للعملية والمشرف عليها هي جهة سياسية، وتجري في ظروف تعيش البلاد فبها والمناطق التي تشملها العملية ظروفاً استثنائية تسودها أجواء العنف وعدم الاستقرار”.

وكذلك أعلن تيار المستقبل الكردي في سورية، رفضه لهذا الإحصاء، وقال: إن هدفه الأساس “فرض الشرعية” لهذا الحزب، وكذلك “تنفيذ التغيير الديمغرافي في (المناطق الكردية)، وملاحقة الشباب الكرد واختطافهم وسوقهم للتجنيد القسري لحروب الوكالة التي يشارك بها، والتي يرفضها هؤلاء الشباب”، وكذلك “فرض سلطة الوكالة قبضتها أكثر على الحياة الاجتماعية ومراقبتها ومعرفة تفاصليها، إضافة إلى التحضير لانتخابات شكلية؛ لفرض شرعية هذا الحزب السياسية بالقوة”.

كما رفض هذا الإحصاء الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية، وقال إنه “ضد مصلحة (الشعب) الكردي، ويخدم نظام الأسد، كون اغلب الأكراد هم نازحون ولاجئون الآن ومغتربون”، وأشار إلى أن نسبة كبيرة من السكان الأكراد تركوا منازلهم وتوجهوا إلى إقليم كوردستان العراق أو إلى تركيا، أو إلى الدول الأوروبية، وشدد على أن ما يقوم به هذا الحزب هو “دعم لمخطط نظام بشار الأسد في المنطقة”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق