أدب وفنون

“مرآة الشام” أنموذج التفكير الدمشقي

بعد مضي أكثر من خمسين عامًا على تأليفه، صدر كتاب “مرآة الشام” لعبد العزيز العظمة، عن دار الريس عام 1987. وبعد سبعين عامًا على أحداثه، يعيدنا الواقع إلى أرض الشام من خلال صفحاته؛ لنتعرف رؤية ما تزال تمثل الضمير الجمعي الشامي التقليدي، الذي قد تشكل -في بعض جوانبه- منطلقًا لبناء رؤية وطنية مستقبلية.

فمن خلال رصد السلوكيات والحياة اليومية والأعراف والتقاليد الشامية، نتحسس نمط التفكير الدمشقي المجتمعي، في السياسة والاقتصاد والاخلاق والدين، عند سليل عائلة كان لها حضور داخل الشأن العام في بلاد الشام، منتصف القرن التاسع عشر، وما تلاه من انعطافات كبيرة وحادة، ما تزال ارتداداتها حتى الأن.

عبد العزيز العظمة (1856-1943) تعلّم وحفظ القرآن الكريم في الكتّاب، وتدرّج في مراتب النظام التربوي العثماني الذي أهله لدخول سلك موظفي الدولة، العسكري والمدني العثماني، وارتقى مراتبها حتى وصل إلى رئاسة كتّاب دائرة أركان الحرب عام1892، شارك -في أثنائها- في تحرير جريدة “سورية” الرسمية، لخمسة عشرة عامًا، وكموظف كبير تنقل في عمله ما بين اليمن وولاية البصرة، ولواء نابلس ولواء طرابلس الشام.

لعبد العزيز العظمة ثلاثة أخوة: طاهر وذكي ويوسف العظمة (بطل ميسلون)، وثلاثة أولاد: وحيد ونبيه وعادل، والأخيرين كان لهما باع طويل في الشأن السياسي العروبي، لازمهما حتى الستينيات من القرن العشرين؛ مترافقا مع التشرد والاعتقال، وحكم الإعدام لنبيه؛ بحيث ظلّا أمينين على مبادئ الاستقلال والوحدة.

عايش عبد العزيز العظمة التحولات الكبرى، بداية القرن الماضي، وشهد انهيار عالمه من حوله، فجاء كتابه (مرآة الشام) لصيقًا بالبيئة المحلية الواقعية الشاميّة، بما يحمله من فكر وأفكار، هذا أولًا، وثانيًا، حاول الكاتب رصد أعمال ونتائج الذين ناصبوا السلطان العثماني العداء، من رجالات الاتحاد والترقّي، ورجالات الجيل الأول للثورة العربية الكبرى، وثالثًا، يشكل الكتاب خزانة معلومات عن دمشق وطبيعتها ومناخها وزراعتها وصناعتها وتجارتها؛ معظمها معلومات غير معروفة إلا للقلّة والخاصّة، مترافقًا مع سرديّة الأحداث التي مرت بها في تلك المرحلة.

تناول الكتاب في شقه السياسي -بخاصة- الحقبة العثمانية التي لمّا تأخذ بعد حقها اللازم من البحث والنقد التاريخي من موقع الأرض الشامية، والتي حكمت مناقشتها الأيديولوجية والصراعات السياسية؛ ما شّكّل ثقبًا اسودَ في الرؤية والوعي التاريخيين، في ما يخص تلك الحقبة عند غالبية النخب الفكرية والسياسية، باتجاهاتها المتنوعة فوق الأرض الشامية؛ فالحقبة الممتدة على أربعة قرون، تم اختزالها بخلاصات لا تتجاوز أصابع اليد إلا قليلًا، فجاء هذا الكتاب (الوثيقة) ليسجّل احتجاجًا هادئًا على شيوع هذه الاختزالات الجوفاء، ويقدّم رؤية وتمهيدًا لأجيال قد آمن بحضورها وكفاءتها.

أيقن عبد العزيز العظمة بضرورة الإصلاحات، وعمل عليها من موقعه، ورأى في إعلان التنظيمات الخيرية للدولة العثمانية، القاضية بالمساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع رعايا الدولة، على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم، مدخلًا حاسًما لولوج البلاد الباب نحو التقدم والازدهار، والذي يبدأ -أساسًا- من إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وطرائق عملها ووظائفها، فالدولة -برأيه- حاجة لكل شعب “بصيانة الأهلين عامة من عبث العابثين، وتأمينهم على أموالهم وأرواحهم ومنحهم الحقوق المتساوية مع بعضهم، دون تمييز أحد على أحد، بسبب دينه ومذهبه…. وإذا لم تكن الحكومة من الشعب وإليه، يأتيه الغريب ويستولي عليه، ويجعله أضعف من أن ينال حقًا او يبلغ منى…. فالفرمان الكلخاني الصادر أيام عبد المجيد خان في 21 شعبان سنة 1255 الموافق لعام 1839 هو نسخة مصغرة عن القانون الأساسي الذي تدار به الممالك على الأصول الاستشارية “الديمقراطية” بأمل توسيعه في المستقبل”

كما رأى الكاتب في قانون التجنيد الإجباري “أول الخدمات العامة المتوجّبة على جميع أبناء الوطن، حفظًا لذلك الوطن من الانهيار بين أيدي الأغيار، وفي إحداث التشكيلات الإدارية في الولايات العثمانية، وإنشاء المدارس العلمية والطبية والحقوقية والهندسية والبيطرية، فضلًا عن المدارس العسكرية الثلاث: “الحربية والمدفعية والطبية” في العاصمة، والتي كان التعليم فيها على نفقة الحكومة، فرصة لأبناء البلاد؛ كي يرتقوا في سلم العلوم والإدارة والخدمة العامة”، مذكرًا بأنهم أبناء العرب الذين دخلوا هذه المدارس، وسلكوا مدرج الوظائف الحكومية، العسكرية منها والمدنية، وصولًا إلى الوزارات و”مجلس المبعوثان”.

وارتكز الكاتب -في رؤيته عن الدولة العثمانية في مرحلة الإصلاحات- على أن الحقوق مصانة بالأحكام الشرعية، والحقوق الأساسية، أيدها القانون الأساسي؛ فالقاعدة فيها هي الأنظمة والتشريعات، إلا أنه غاب عن رؤية الكاتب ملاحظة التناقضات والتفاعلات الحاصلة داخل الدولة والمجتمع العثماني، والتي تجلّت -أساسًا- بتحديات العصر وأسئلته، في ما يخص النظم الاقتصادية وإدارة الموارد وطرق تنظيمها وتنميتها، كمكوّنات قوّة، تتجاوز القوة العسكرية.

وهنا لابد من الإشارة إلى عرض عبد العزيز العظمة للمسألة الشرقية، بما يعني “جعل بلاد الشرق عامة تحت حكم الغرب ونفوذه”؛ حيث رأى أن تصارع الدول الأوروبية، يتركز على من يمتلك القسطنطينية وبيت المقدس؛ الأولى لموقعها الجغرافي، “فمن يهيمن على مضائقها الفاصلة بين أسيا وأوروبا، يهدّد الشرق والغرب والشمال في آن”، والثانية لقداستها، فـ “امتلاك القدس من قِبل أية دولة مسيحية، يؤثّر على نفوذ وغطرسة غيرها…. لذلك كان الغرب يُفضّل بقاء هاتين البلدتين في أيدي دول غير مسيحيّة، ويُعدّ أخفّ ضررًا من استيلاء إحدى الدول العظام عليهما والاعتضاد بهما”. مقدمًا رؤية للمسألة الغربية، والتي سمّاها الغرب المسألة الشرقية، عبر استعراض أهم المحطّات السياسية والعسكرية لهذه المسألة، منذ الثورة الفرنسية، بتكثيف متين يدلّل على عمق وعيه وخبرته في السياسات الأوروبية، والبريطانية خاصّة، ليصل إلى خلاصة مفادها: “وبعد أن قضت انكلترا من الشريف حسين لبانتها نبذته نبذة النواة، وأخذت تبحث عن غيره ولا غرابة في ذلك، فالسياسة لا تراعي في سبيل المنافع خليلا…. وهذه عبرة لمن شاء أن يعتبر”.

في الزراعة والصناعة والتجارة اعتبر الكاتب “أن الزراعة أهم أركان الثروة وأحد ثدييها، اللذان يدرّان الخير والبركة على البلاد، ويتعاطى بها الكثير من سكان المدن وجميع أهل القرى” وقدّم في أماكن عدة من الكتاب جردة لأهمّ المحاصيل الزراعية وأنواعها وأصنافها، قلّ نظيرها، لتكون مرجعًا اكيدًا لأنواع الزراعات وأصنافها في دمشق والشام عامة، إلا أنه لم يتطرّق لنظام الملكية وعلاقاتها!

كما عدّ “الصناعة الركن الثاني من أركان الثروة والسعادة، أو ثديها الأيسر، خصوصًا إذا استندت إلى العلم والفن والذوق السليم مع الإتقان والإبداع”، وبالطريقة ذاتها قدّم سردًا تفصيليًا لأنواع الصناعات وأصنافها، تدلّل على أصالة انتمائه المحلّي وغنى درايته، كما كان للتجارة نصيبها في السرد؛ إذ قال: “منذ تأسست مدينة دمشق وهي قطب دائرة التجارة ونقطة اتصالها بالشرق والغرب، تحفّ بها الموانئ الساحلية والمدن الداخلية كصور وصيدا وبعلبك وتدمر وأنطاكية وبابل… ودامت دمشق محافظة على هذا المركز التجاري المهم عصورًا طوالًا إلى أن استفاق الغرب من سباته، وتمكّن من افتتاح أبواب الشرق لتجارته، فأخذ يغدق علينا صنائعه وبضائعه، بعد أن حصل التطور الاجتماعي والرقي الصناعي في القارّتين الأوروبية والأميركية”. وفي هذا السياق، ثبّت أحوال العملات التي كانت متداولة، نهاية القرن التاسع عشر وما تلاه، وأوضح كثيرًا من المشكلات التي ترافقت وتغيّر الأسعار، والهزّات التي تتعرّض لها العملات الذهبية، كما كشف عن التواطؤات التي رافقت ظهور العملات النقدية الورقية، وأثارها السلبية على اقتصاد البلاد أبّان الانتداب الفرنسي.

إن الرؤية الاقتصادية لعبد العزيز العظمة تنهض على قاعدة التوازن ما بين الدخل والمصروفات، انطلاقًا من حالة الأسرة الواحدة، والاقتصاد السياسي -لديه- ينطلق من فكرة الاكتفاء الذاتي للدولة والمجتمع (قارن مع اشتراكية الستينيات)، ومن هنا، نتفهّم تحفظاته الشديدة على أنواع المستوردات من السيارات والملبوسات والمأكولات، وما يرافقها من العادات الاستهلاكية الحديثة، والتي يراها تسيء للأخلاق والتقاليد والآداب العامّة؛ ما أدّى إلى عجزه عن إدراك “الاستحقاق” الذي سوف تفرضه المنافسات العالمية في الاقتصاد، وبالتالي؛ السياسة على واقع البلاد، وأن التعاطي معها يفرض إجابات عنها في حقول الاقتصاد والاجتماع والسياسة، والتي مازالت في خانة التجريب والانتظار عندنا.

فيما يخص الدين والأخلاق والمجتمع، يلخص عبد العزيز العظمة رؤيته بالقول: “لما كان الشرق منشأ جميع الأديان المعروفة في العالم، وكل بقعة من بقاعه لا تخلو من جماعات مختلفي العقائد –تعبد باريها على الطريقة التي شبّت عليها وألفتها– على أنها في أمور المعاش مؤتلفة مع بعضها بعضًا، وبعيدة عن الانفراد والانفصال عن الجامعة السياسية…. ونحن من الذين يحترمون العقائد، ولا يجادلون أحّدًا في مذهبة، كل يعمل على شاكلته” وهذه الرؤية للدين ترتكز على الحيز الذي يشغله الدين والتدين في الواقع على الأرض، وفي الحياة اليومية، ومنه ينطلق للدعوة إلى إغناء الحياة بأركان الثروة والسعادة والعيش “بسرور ونشاط”، “والفوز برضى الله ونعبده على الفرائض الخمس”. فالدين -في عرفه وعلمه- نظام للأخلاق، يحول دون الوقوع في “مهاوى الزلل، وجميع الكتب المقدسة تدعو إلى الفضائل،…وقد قالت الحكماء الأمم بأخلاقها”

هذا النظام الأخلاقي هو المرجع وهو الحَكم والمرشد العام للناس والحكّام ونظام الحكم، وبه يُقاس الفساد والمفسدين والظالم والمظلومين، وقد رأى الكاتب في الدولة العثمانية دولة خلافة، لمقامها قدسية خاصة، وإذا ما وقع عور فيها يمكن إصلاحه وتقويمه -بالتأكيد- على أخلاق الحكم الرشيد.

وفي معرض حديثه عن الأعياد والعادات، أبدى ألمه وحزنه من مبالغات “إخواننا الشيعة” بذكرى يوم عاشوراء، وقدم حجّة رصينة حول هذه المناسبة، مؤكدًا الحاجة الشديدة إلى الاتحاد والتعاضد تجاه تيار الأغيار، عادًّا “تلك الحرب الضروس لم تكن إلا حربًا سياسية منشؤها الاجتهاد المجرد، لتسلط فريق على الآخر، فما الفائدة من تجديد ذكراها كل عام، وقد مضى عليها ثلاثة عشر قرنًا حدثت في خلالها حوادث متعددة تماثلها في الأهمية”!

وقد كان للمرأة نصيب في رؤيته، ودافع عن دورها في البيت والتربية، وأكّد على أهمية الحجاب والتستّر لها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق