سورية الآن

مجلس الأمن وحارة الضبع في جلسة طارئة

تدخل سورية مرحلة حرجة، وتتفاقم المأساة الإنسانية فيها، وتتحد العديد من القوى في وجه شعب أعزل، لتتعدد أوجه الموت دون أن يجد السوريون بارقة أمل للنجاة، وبقي مجلس الأمن، كأعلى سلطة دولية معنية بضبط السلم العالمي، يتعامل مع هذه المسألة بطريقة أشبه بالاستعراض، أو ربما جزء من أنواع التمثيل التي عرفها السوريون في مسلسلات النظام الدرامية، التي تحاول خلط البيئة بالتراجيديا بالكوميديا، فتنتج أبواب حارات وهمية بلا سكان.

في الآونة الأخيرة، عقد مجلس الأمن اجتماعًا طارئًا، مساء الأربعاء الماضي؛ لأجل التشاور في الشأن السوري، وخاصة بعد تعرّض قافلة المساعدات الأممية في ريف حلب لقصفٍ، أدى إلى استشهاد نحو 12 عاملًا ومتطوّعًا من  الهلال الأحمر وسائقي شاحنات، وإتلاف محتويات القافلة، فجاءت هذه الجلسة كجولة استعراض سياسي جديدة، بين “عكيدي” مجلس الأمن: أميركا وروسيا، حول الهدنة التي أعلنها كيري ولافروف، ثم سارعا بتحميل مسؤولية فشلها لبعضهما بعضًا؛ لنسمع خطابات وإنشاءات ولقطات تصويرية تعبيرية داخل القاعة، تعطي المشهد حالة إضافية من التشويق الدرامي، بحيث تأخذ ردود فعل هذا الوزير أو ذاك على بعض الكلمات، معتقدين أنهم قدّموا للمتابع وجبة مسلية، ولم ينتبهوا إلى أنها تخلو من الإبداع، فالإبداع -هنا- في مركز القرار الدولي، ليس باللقطة التصويرية، ولا بنوعية الحضور والخطابات والفواصل بين الكلمات، بل كيف يمكن لها أن تكون مفصلًا في التاريخ، وتثير الفضول للبحث عن قائلها، وللبحث عن ارتداداتها في ميدان الصراع، وربما في الشرق الأوسط، ولكن ماذا لو لم يجتمع مجلس الأمن، هل سيحدث فرقًا.

للسوريين مع اجتماعات مجلس الأمن، قصص تصلح لباب جديد، من أجزاء مسلسل باب الحارة، حيث فتل الشوارب، واستعراض الخناجر ورفع الحواجب في تلك الحارة، لينهي مخرج العمل اللقطة، أو المشهد، من خلف الكواليس بكلمة “ستوب”، انتهى التصوير، فينزع الممثلون شواربهم وثيابهم الخاصة، ويرمون خناجرهم (الفالصو)، وينظرون إلى محاسب المسلسل، إن كان أحضر لهم دفعة نقودٍ على الحساب.

قبل ثلاثة أيام من هذه الجلسة، في تلك القاعة الأممية، كانت هنالك حلقة درامية تجريبية ليس بين الوزراء، وإنما بين سفراء هذه الدول، وخاصة أميركا وروسيا، حيث تبادلا اللكمات الكلامية والاتهامات، حول قصف التحالف الدولي بقيادة أميركا، لمواقع النظام في دير الزور؛ ما أغضب الروس شركاء الأسد، الذين عدّوها استهتارًا أميركيًا بوعودهم للنظام قبل عامين بعدم استهدافه، لكن تلك الجلسة فشلت، لأسباب تتعلق بطريقة إعدادها التقني، فكانت دراما باهتة، أدّت بشيخ “الكار” الأميركي إلى أن يعد بعدم الاقتراب من دير الزور مرة جديدة، وانتهى المشهد، ففرح الجعفري.

بان كي مون ليس هو المُخرج بالتأكيد، ولا السيناريست، بل هو الممثل الضروري في المسلسلات، لإعطاء النكهة في بعض المشاهد، كي لا يشعر المتابع بالملل، فأخذ مكانه على المنصة في هذه الجلسة الأخيرة، أمام وزراء الخارجية، وقال: إن العالم “يواجه لحظة حاسمة تجاه الحرب في سورية”، ثم دعا العالم للسماح للسوريين؛ كي “يتفاوضوا حتى يخرجوا من الجحيم”، لكن أهم ما قاله بان كيمون هو “المأساة السورية وصمة عار على الجميع”، هنا تبدو الحبكة الدرامية في أعلى مستوياتها؛ ليرمقه بشار الجعفري من خلف نظارته متفاجئًا بطلبه، إذ قال بان في ذروة الحدث: “على مجلس الأمن إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية”، وتابع: “لا يجب أن يعتمد مصير أي بلد على مصير شخص واحد”؛ ما أدى إلى أن يستعير بشار الجعفري -خلال الجلسة- من بان قلقه المُعتاد، يندهش الجمهور خلف الشاشات، فيقلق بان من قلق الجعفري الطارئ في الجلسة الطارئة، ويُضطر للشرح والإضافة “إذا أصرّ الطرف الآخر على أن يغادر الرئيس في بداية المرحلة الانتقالية، فمن الصعب أن نرى مفاوضات حقيقية”، هنا يصرخ المخرج خلف الكواليس مشهد ممتاز، والأداء يحوي كثيرًا من الروح الصادقة، لكنه لم يقل ذاك المخرج للعامة: إن بان فضح سر حبكة المسلسل والحلقات (الجلسات)، والمفاوضات ونهاياتها، بأن الأسد باقٍ لمرحلة تفاوضية غير محدودة الزمن، ومرحلة انتقالية غير معروفة الصلاحيات، وانتخابات تشبه عودة أبو عصام إلى باب حارته، وإليكم أيها السوريون أجزاء وطن تبعثر كالطحين فوق شوك– كما وصف أحد الشعراء حظه- فلمّوه إن استطعتم مع هؤلاء الممثلين (النجوم).

لا يُنكر على مجلس الأمن الذي عَقد -في 2013- جلسته المشهورة، حول استعمال النظام سلاحه الكيماوي، أنه كتب في قراره -حينئذ- بأنه “يُعرب عن شديد سخطه؛ لاستخدام الأسلحة الكيماوية في 21 آب/ أغسطس 2013″، ولحجم السخط الدولي، أعاد بشار الأسد استعماله مرات ومرات؛ ما أدّى إلى سخط الجمهور على مجلس الأمن وقراراته الساخطة، هذا المجلس الأميركي – الروسي عندما ينعقد لأجل سورية، يستنفر الجعفري أناقته وتجاعيد وجهه ويُخفض نظارته لأسفل أنفه، فيفهم رئيس الجلسة أن الجعفري يُدقق النص الدرامي المكتوب، والمدروس لسقف الجلسة، والتي مرره له صبيانه لدى بعض أصحاب الفيتو، فيبتسم رئيس الجلسة كدليل على فهمه إشارة الجعفري، ويدوّن في أوراقه أن النظام في الجمهورية العربية السورية، المُمثل بالسيد بشار الجعفري، ومن فوق ركام الجماجم وبراميل الكيماوي والخردة والأجساد الجائعة، له الحق في أن يوضّح مظلوميته، فيتنحنح الجعفري ويلقي كلمته ليُبلغ السادة الأفاضل أن شعبه الإرهابي متآمر على الكون، وتجب إبادته؛ فيرتفع مستوى “الأكشن” في رحاب مجلس الأمن، ليهمس ممثل الولايات المتحدة لممثلي بريطانيا وفرنسا، بأن لا يكترثا، وليفعل الروس ما يشاؤون، تعالوا أيها الشركاء لنكمل الجلسة مع مجموعة أصدقاء الشعب السوري، هنالك نأخذ راحتنا ونصوغ المشهد ارتجاليًا، بلا عتب أو مراقبة، ولا يعارضنا أي دب قطبي، وأعدكم أن تأخذ القصة حبكةَ لغزٍ يحيّر الروس والصينيين معهم، فيسمع لافروف، ويستعير -هو الآخر- قليلًا من قلق بان، فيطمئنه الجعفري مع رفيقه الصيني موضحًا: لا تقلقوا يا شركاء؛ فلدينا بين الأصدقاء أصدقاء.

حكايات السوريين مع مجلس الأمن، أقرب إلى فصول باب حارتهم في أجزائه التي أرهقتهم، وشوّهت ثقافتهم، حيث لم يبق فيها سوى حارة الضبع، ومن بقايا تلك الثقافة القادمة من حقبة الفاشية، يقف ضبع آخر في مجلس الأمن، على أشلاء الإنسانية المبعثرة، ويتبدّى أسف أطنان من الدساتير والمواثيق والقوانين، بل والروايات والشعر والخواطر، وقد التهمها الضبع، في جلسة طارئة، حضر فيها كثير من القتلة، والقليل من القيم، فتصرخ الأشلاء -من بين مخالب الضبع وأنيابه- باسم ملايين من ضحّوا عبر التاريخ الطويل، أنقذوا أحفادكم من حنك أحفاد الضبع.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق