مقالات الرأي

عندما يصير الكلام صمتًا

قال لي صديق عايَشَ الحرب الأهلية اللبنانية، وحمل السلاح فيها: “مشكلة الثورة السورية أنني أثق بأي ثائر في فصيل مسلّح، أكثر من ثقتي بأي معارض مدني سوري، يعيش في الخارج”.

أعرف أن جملته -تلك- تحمل بعضًا من المبالغة، لكنها تحمل من الإحباط -أيضًا- ما تحمله من المبالغة، إحباطه الشخصي وإحباط السوريين، وتحمل منطقًا يجب الإصغاء إليه.

وجهة نظر أخرى، تقول إن الإحباط خيانة لدماء مئات آلاف السوريين، ممن رحلوا في معارك مع النظام أو كضحايا للإجرام الأسدي والإيراني والروسي، خيانة للثورة التي مازالت تضجّ في الداخل السوري، على الرغم من محاولات قتلها في صفحات الجرائد، ومواقع التواصل الاجتماعي. واللافت، أن كل من حاول قتل الثورة بإحباطه إن كان من السوريين أنفسهم، أو ممن يدّعون صداقتهم للشعب السوري، غالبًا ما يكون خارج الحدود، بينما نرى أصدقاءً ثوّارًا أو ناشطين أو مجرّد أشخاص صامدين في بيوتهم ومناطقهم المحاصرة، يتّقدون أملًا، على الرغم من كل ما يعيشونه من دمار نفسي ومادي.

ذلك الميل للكآبة والإحباط، نكاد لا نعثر عليه إلا في أدبيات الثورة التي يستند أصحابها إلى رؤيتهم للداخل من الخارج؛ فتصبح سورية (وطنهم)، مجرّد خريطة أو خرائط، وفصائل مسلحة تتقاتل فيما بينها، وإمارات إسلامية سلفية، وجوع وحصار ودمار، وسماء زرقاء هربت منها العصافير بعد أن أهلكها هدير الطائرات، وجملًا شعرية على الوزن نفسه. يصبح السوريون في الداخل مُجرّد أرقام، تتناقص كل يوم تحت الركام، يحصونها بفزع وكأنهم، إذ يحصونها، يشاركون باقي السوريين وجعهم.

ثقة الصديق اللبناني بالثائر السوري، تنطوي -في صورتها الرمزية- على ثقة بالداخل أكثر من الخارج. ولو تأمّلنا السنوات الخمس الماضية، سنرى داخلًا سوريًا مقاومًا، لم يفقد الأمل؛ لأن حياته مرهونة بلحظة خاطفة، منظّمًا، مربوطًا بعضه ببعض. وخارجًا سوريًا محبطًا، لا يوفّر مناسبة للبكاء على ما تركه وراءه ورحل، مفكّكًّا، تعمّه الخلافات والصغائر، يحكمه الشكّ وإرث بعثي جمعي لم يستطع التعافي منه بعد، فيصبح تسريب صورة لمعارضة بلباس السباحة، هو القضية الأولى و”الفضيحة” التي ينشغل بها معارضون لأيام وأسابيع! ويصبح تخوين بعض الشخصيات المعارضة واتهامها بالعمالة أو السرقة، هي المسألة المحورية التي تتنازع عليها الأطراف السياسية التي لم تكفها السنوات الخمس لتعلّم السياسة!

بينما يروي سوريو الداخل الحياة كما هي، كما ينبغي لها أن تكون، وسط كل هذا الدمار الذي يعيشونه منذ خمس سنوات، غير مكترثين بالتخوين والتشكيك. انشغلوا طوال ذلك الوقت، في اختراع وتعلّم صيغ جديدة للحياة، انشغلوا في تسليح أنفسهم من الجنون والوحدة، في لملمة ما تبقّى ومن تبقّى منهم. بعضهم انشغل في تنظيم قواه وحشدها، وتدرّب على العمل العسكري، وحرّر مناطقَ وفكّ حصار أحياء أهلكها الموت، ارتكب الأخطاء وربما لم يتعلّم منها كلّها، لكنه هناك، يُقاتل من أجل الحياة، من أجل المستقبل. وليس على من يقول إن هذا المسلّح لا يُقاتل من أجل مستقبل سورية، بل من أجل مستقبله الشخصي، إلا أن يعود إلى المناطق المحرّرة كما عاد كثيرون ويُقاتل بدوره بأي وسيلة يمتلكها، السلاح، العمل المدني، الإغاثة، المجالس المحلية، التعليم البديل أو أي شيء آخر يمكن له أن ينقذ ما تبقّى ومن منّا.

وصلتني قبل أيام رسالة من رجل لا أعرفه يسكن في حلب، يطلب مساعدتي لتجهيز مستشفى ميداني شمالي المدينة! أنا؟ فكّرت كثيراً برسالته… كيف خطر له أن يستنجد بشخص عاجز مثلي، يعيش في بيروت، لا علاقة له بما يجري على الأرض، لا صلة له بأي تنظيم سياسي أو تيار أو حزب، لا تربطه أي علاقة بالمعارضة السياسية التقليدية! إنه التوصيف الأدقّ للعجز والإخفاق في العثور على جهة سورية خارجية، تدعم هذه المشروعات الميدانية، وهم بأمسّ الحاجة إليها! عجزه قاده للاستنجاد بي، بأي شخص، بأي سوري حتى وإن كان يعلم أنني وأنهم غير قادرين إلا على التنظير وكتابة البيانات.

وهاهي حلب تُباد من جديد منذ يومين، والصمت يزيد من تدفّق الدماء في الشوارع، وعلى بلاط المستشفيات. وللصمت أشكال كثيرة، غير الامتناع عن الكلام. فتصبح المقالات صمتًا، وعبارات التضامن على الفيس بوك والتويتر صمتًا، وتصريحات المعارضين في الخارج صمتًا أيضًا، وإدانة المسؤولين الغربيين صمتًا؛ إذ كيف يمكن لكل ما سبق أن يُنقذ أرواحًا تسقط بالمئات؟ كيف يمكن لصوت الأب الذي ينادي ابنه الشهيد المُضرّج بالدماء أن يهدأ؟ كيف يمكن لصورة طفل يبكي بصوت نكاد نسمع لوعته خارجة من صورة صامتة، أن يتحول إلى ابتسامة أو ضحكة؟

ما يزيد الصمت صمتًا، منح بشار الأسد منابر إعلامية، من وقت لآخر؛ ليكرّر أن لا براميل متفجّرة يستخدمها نظامه، من دون أن يفوته شرح تفصيلي لآلية عمل البرميل! ليستغرب ترشيح “القبعات البيضاء” لنيل “جائزة نوبل للسلام” متسائلاً: “ماذا حققوا؟”. ومنح أجهزته المتورّطة بالدم السوري الكلمة؛ لتقول أن لا ثورة ولا مدنيين وأن الأطفال السوريين في حماية الحكومة السورية! كما ادعت أخيرًا بثينة شعبان، وهي تصرخ في وجه المذيعة الأجنبية كأي ضابط مخابرات، بما تعنيه مفردة ضابط من نبرة متعالية، وتكشيرة وإصبع ممدود يكاد يخرج إلينا من الشاشة متوعّدًا ومهدّدًا. ويتساءل المتفرّج العاجز في بيته، ما الفائدة من منحهم تلك المنابر؟ أليس فعل استضافتهم، تكريسًا لما يقولونه وما يدّعونه؟ أليس “تشريعًا” لجرائمهم؟

ناشط آخر كتب على صفحته البارحة ما معناه إن حلب ستثأر من كل الخونة يوم الحساب! نعم. اليوم، وصل الإحباط به وبكثيرين حدّ انتظار يوم القيامة للانتقام! الناشط نفسه كان متفائلًا قبل سنوات بـ “المجلس الوطني السوري المعارض”، ثم بـ “الائتلاف”، ثم بـ “الحكومة السورية المؤقتة”، مع بعض التفاؤل بالدول الغربية والخليجية وتركيا. اليوم، كثيرون ينتظرون يوم القيامة، أو أي يوم يؤمنون به بعد الموت، علّهم يشهدون قليلًا من العدالة.

ويبقى سوريو الداخل هم البوصلة. كيف يمكن لمن يعيش في الخارج أن يهدّه الإحباط، وما يزال في الداخل من يتنفّس، ويقاوم، ويبكي، ويصرخ، وينادي موتاه، ويعثر في قلب كل ذلك على صيغة بديلة تعلّمه الحياة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق