مقالات الرأي

السياسة العميقة ودولة الخراب

السياسة ليست ادعاءات وادلاءات ومراوغات ومماحكات فحسب، بل هي كل التدابير المصرح عنها، وكل التدابير المسكوت عنها، وقراءة السياسة لا تعني تحليل الخطابات وتفنيد الآراء، بل تعني قراءة وتحليل الواقع والوقائع والأسيقة والمآلات، والسياسة هي تلك القوّة الغامضة التي تستتر خلف كل حركة وكل سكون، والعمل السياسي دوزنة أوتار الممكن على ضوء الإمكان، وذلك تحت سقف المصلحة والإرادة والحاجة والدافع، وفي حوض الترسيب والتخمر السياسي تصب كل الرغبات و كل المصالح وكل الدوافع وكل التوجهات عارية ودون أي ستر، حيث تُرسم بعد ذلك الخطط والتوجهات وتُقرر الأعمال، وأن كل إنسان -بالضرورة- هو كائن سياسي وكذلك كل جماعة بشرية حيوية هي كائن سياسي أيضًا، وأن كلّ حركة وكل سكنة إنّما هي فعل سياسي، وعليه؛ فإن الرؤى والتحليلات النمطية للتمظهرات السياسية من معاهدات وتحالفات وحروب وعمران غير كافية؛ للحصول على أي قراءة تحمل مقاربة أو مطابقة مع الواقع،  ما لم تقرأ المسكوت عنه والضمني.

سنزعم قبل التصدي لتهجئة الحالة السورية أن السياسة (العربية)، والسياسة (السورية) على وجه الخصوص، كانت -ومازالت- سياسة (عقلانية)، وأن حالة الواقع الذي لا تصفه الكلمات وحالة الكلمات التي لا تتطابق مع الواقع هي حالة مصاحبة للسياسة في كل دول العالم،  فالكل يحتاج إلى السكوت عن أشياء، وتسليط الضوء على أشياء أخرى، ولكن فرادة الأنموذج السياسي الباطني والذي نحن بصدده، هي أن الدوافع الحقيقية تبقى الحاضر الغائب في كل حركة وكل سكنة، وكذلك فإن وظيفة الكلام في هذا الأنموذج هي البرهان والتفنيد والإفحام، وأن المُبتغى هو إبقاء المسكوت عنه بعيدًا عن التداول. سنزعم أن القادة السياسيين هم عبارة عن حالة مكثفة لتوجهات ولتطلعات ولمصالح، ولن نٌستدرج إلى ترقيع العور في التحليل السياسي؛ فنجرجر المؤامرة من أذيالها لتحمل أوزار جهلنا بالأشياء، سندعو إلى تفكيك (عقل) هذه (العقلانيات) في السياسة (العربية السورية)؛ فندخل إلى كهوفها الموصدة عبر خاصرتها الرخوة.

لقد سيطرت الجحافل الفرنسية -في عشرينيات القرن الماضي- على الامتداد السوري اللبناني، وحتى يستتب لها الأمر، فقد أنشأت بنىً شُرطيّة وعسكرية محلية؛ لتكون رديفًا لجيش وشرطة الاحتلال، كان اسم القوة العسكرية التي أنشأتها تلك الجحافل هو: (القوات الخاصة بالشرق) لقد اندفع أبناء الأقليات الأكثر بؤسًا وعزلة؛ للالتحاق بتلك القوة، حيث المصدر الثابت والجيد للدخل، وحيث المركز المرموق والمهابة والحضور القوي، هذه القوة ستكون النّواة الصلبة للجيش السوري بعد الاستقلال، ومن بين براثنها سوف يخرج أول المغامرين ليقتحم الإذاعة ودوائر الدولة ويعلن حالة الطوارئ، وسيفتتح بازار الانقلابات على مصراعيه، وسيدخل العسكر في لعبة السلطة.

سيكون الجيش هو قبلة الأقليات، وملاذ أبناء الأرياف المهمّشين، ومطيّة التكوينات الحزبية العقائدية، تلك التكوينات التي ظهرت في منتصف القرن الماضي، وكان جل نشاطها وانتشارها في بيئة الأقليات الاثنية والدينية، حيث اصطبغ لونها بلون تلك الأقليات، فالقومي السوري كان من مسيحيي وادي النصارى، ومن العلويين والاسماعيليين، وكذلك فإن جماعة البعث العربي يغلب عليهم الطابع الريفي، وجماعة الشيوعي السوري هم  -وبشكل رئيس- من الأكراد، لقد تغنت الّعارات السياسية في تلك المرحلة بالكادحين والفقراء، وتحدثت عن الأوطان وحدودها، وعن المؤامرات التي تحيق بتلك الأوطان من كل جانب، وكانت الأدبيات المطروحة مزيجًا من الاستطرادات العقائدية والرؤى الحالمة، والإسهابات المتظلمة، والتطلعات إلى التغيير المبين، لقد كانت خلفية كل ذلك الصخب فكرة واحدة، وهي: (إن هناك مظالم قديمة، وإن كل شيء مستباح وإن أفضل السبل، هو أقربها لتحقيق الهدف، وإن الهدف هو امتطاء السلطة)، ولذلك؛ فإن العقل الضمني لم يستنكر الجرائم التي حصلت في تلك المرحلة على خلفية الصراعات الحزبية، بل باركها. لقد كان هناك تطابق على المستوى (الأبستملوجي) بين كل تلك التحزبات، فالكل يبارك العنف والكل يريد السلطة، والكل لا يقبل بأقل من السيطرة، والكل يدّعي أنه هو الناطق الرسمي باسم بالأمة وباسم الكادحين وباسم الحق وباسم العدل، وأن الحصول على السلطة هو التعبير الحقيقي عن الثورة، ولذلك؛ فقد كان الجيش هو الآلة الحقيقية والمعقولة لتحقيق التغيير المأمول.

لقد كانت الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الحالة السورية في ولوج المستقبل، وتأسيس كيان ديمقراطي، تتمثل في عدم سقوط التجربة البرلمانية بأحزابها (المدينية)، وبصناعييها المدينيين وبأفقها الوطني، وبصيغتها الإنسانية المتسامحة، وبلغتها ذات الوجه الواحد-عدم سقوطها- تحت أقدام الجحافل المتحدرة من بطون الفقر والغضب والجهل، لقد أخذت الأمواج (الثوريّة) بتلابيب المركب الحائر، وسحبته إلى شواطئ الفئة الأكثر عزلةً والأكثر عنفاً، الفئة التي تجترّ حكايات الظلم والفقر، الفئة التي تتشهى امتلاك الناصية، وإعادة انتاج المظلوميات نفسها، بطريقة انتقامية وكيدية. ربما تماهى الثوريون الأوائل بشعارات الوحدة والمساواة والحرية، ولكن قناعتهم كانت تذهب إلى فكرة أن مجرد امتلاكهم ناصية السلطة هو التحقيق الأكيد لهذه الشعارات.

ستخرج من رحم البعث مجموعة عسكرية سرية، عُرفت فيما بعد باسم: (اللجنة العسكرية)، هذه اللجنة ستتآمر على البعث، والذي تآمر -قبل ذلك- على شركائه في انقلاب الثامن من آذار، سينكَل بالقيادة التاريخية وبالرموز المدينية للبعث أمثال عفلق والبيطار وزهور، وسينكَل بالإخوة الأعداء من أعضاء اللجنة العسكرية أمثال الجندي وحاطوم والجديد، وسينتهي مصير السلطة إلى حضن الأسد، وسندخل في زمن جديد هو زمن الدولة العميقة.

في حضرة الدولة الأمنية العميقة، ستفرّغ المؤسسات من مضمونها، وستُزرع العناصر الشريكة للسلطة في مفاصل الدولة، وستفرّغ الشعارات حتى من بعدها الحالم؛ لتكون غلافًا ميتًا لسياسة لا تشبهها أبدًا، وستفقد الكلمات دلالتها المتعارف عليها، وستتمخّض المرحلة عن لغة، كلماتها ليست كالكلمات، وسيعي الوعي الشعبي لحقيقة أن الأمس لا يشبهه اليوم وأن فكرة التحرير والتوحيد والعدالة لا تمت بأي صلة لواقع السياسة ولفضاء الحلم، فما يعمل من أجله هو بناء بيت لبناته من خراب هو بيت السلطة، تلك السلطة التي أتت على الزرع والضرع، هنا سيحتاج كل متتبع للحقيقة إلى الحفر في تلك اللغة التي كتبت خطابها بالدّماء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق